ايا تكن نتائج المفاوضات السورية الاسرائيلية التي استؤنفت مؤخرا, فانه من الصعب توقع انقلاب دراماتيكي في العلاقات المستقبلية بين سوريا واسرائيل, وذلك ليس بسبب الارث الكبير من الاحقاد التي تركتها تطورات الصراع العربي ـ الاسرائيلي فقط , وانما بسبب المخاوف التي تتملك السوريين من احتمالات العلاقة مع اسرائيل وتطوراتها, وهي مخاوف تستند الى موروث من التجارب في علاقات من سبق السوريين من العرب في التوصل الى اتفاقات مع اسرائىل, وفي القائمة ثلاثة من التجارب التي يمكن وصفها بـ (التجارب المرة) وهي تجربة مصر ثم تجربة الاردن والاهم تجربة الفلسطينيين. ورغم انه بالامكان القول ان لكل واحدة من هذه التجارب حيثياتها وتفاصيلها التي قد تدفع الى تميزها عن افق واحتمالات التجربة السورية, فان في هذه التجارب ما هو مشترك في مجرياته, وهناك ما هو مشترك في محيط تلك التجارب. ولعل الاهم فيما هو مشترك في تلك التجارب, ان توقيع اتفاقية سلام بين اي طرف عربي واسرائيل, لم يعني ابدا وقف التداخلات الاسرائيلية في شئون البلد العربي المعني, بل ان الامر تجسد في استمرار التداخلات واتخاذها مسارات مختلفة, والتي تعني في الجانب الاساسي منها استمرار الصراع بين اسرائيل وتلك الدولة العربية ولكن بوسائل اخرى, وفي هذا يمكن استذكار بعض الامثلة من الممارسات الاسرائيلية ازاء المصريين, واخرى حيال الفلسطينيين, وثالثة نحو الاردنيين. والابرز من الممارسات الاسرائىلية تجاه مصر منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979 تبدى في استمرار النشاط الاستخباري الاسرائيلي في مصر, وقد تأكد في اكتشاف وتفكيك اكثر من شبكة ونشاط اسرائيلي ومنها حالة الجاسوس عزام عزام الذي مازال يقبع في الاعتقال المصري منذ سنوات, وهو ليس سوى وجه من وجوه التجسس الاسرائيلي, والذي شمل اعداد دراسات وابحاث اسرائىلية عن الواقع المصري من خلال المركز الاكاديمي الاسرائيلي في القاهرة, وكله الى جانب محاولة ربط عدد من المثقفين والكتاب والمفكرين المصريين بطريقة او بأخرى بالوجهات الاسرائيلية سواء في اتصالها بمصر او بالبلدان العربية ولعل المثال في جماعة كوبنهاجن. ويندرج في سياق الممارسة الاسرائىلية ازاء مصر مجموعة من نشاطات التخريب الاقتصادي, التي كشفت عنها تحقيقات تولت الاجهزة والمؤسسات المصرية الرسمية التحقيق فيها ومتابعتها ومنها عمليات تخريب لزراعات رئيسية تعتمد عليها مصر, وهي تضاف الى عمليات تخريب اجتماعي واخلاقي ونشر للاوبئة والامراض تم معظمها بمشاركة مباشرة من قبل المخابرات الاسرائىلية في مصر. والممارسات الاسرائىلية حيال الفلسطينيين لم تكن افضل حالا مما كانت نحو المصريين, والامر في ذلك بديهي, بل ان هناك دواعي اسرائيلية, تدفع الى ممارسات اشد وابعد اثرا في العلاقة مع الفلسطينيين والتي كانت فاتحتها اتفاقية اوسلو عام 1993 وما تلاها لاحقا, وقد اتخذت العلاقة طابعا قانونيا واجرائيا اخضاعيا في آن معا بفعل التداخل الاسرائيلي ـ الفلسطيني, حيث تضمنت الاتفاقات الموقعة بين الطرفين وخطواتها التنفيذية ربطا فلسطينيا سياسيا واقتصاديا وأمنيا واسرائيليا, وكرست تعاونا بين الاجهزة الامنية لدى الجانبين, يكفل ضمان المصلحة الاسرائيلية اساسا دون ان يكون ذلك من حق الجانبين معا على نحو ما ينبغي ان تكون الاتفاقات التي توقع بين اطراف. ولا يعتبر الكلام عن ربط بعض الفلسطينيين من الاجهزة المختلفة بالاجهزة الاسرائيلية سوى بعض تفاصيل لا تستحق التوقف عندها طويلا, وكذلك الحال بالنسبة لتعاون الاجهزة في مواجهة معارضي الاتفاقات وبخاصة حركتي حماس والجهاد الاسلامي. وقريبا من مساري الممارسات الاسرائيلية السابقين, مضت العلاقة مع الاردن بعد ان وقع الاخير اتفاقية وادي عربة عام 1994 للسلام مع اسرائىل, ولعل في ملف الممارسات الاسرائيلية حيال الاردن امرين هامين ومميزين, الاول فيهما قيام المخابرات الاسرائيلية عام 1997 بتنظيم عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الاردن خالد مشعل وقد كان ضيفا شخصيا على العاهل الاردني الراحل الملك حسين, مما شكل خرقا اسرائيليا من نوع خاص للعلاقة مع الاردن, وكان الامر الثاني في فجاجة الممارسات الاسرائيلية نحو الاردن قيام اسرائيل عام 1998 بتحويل مياه الصرف الاسرائيلي في قنوات مياه الشرب الاردنية بدلا من كمية مياه للشرب كان الاردنيون والاسرائيليون قد اتفقوا عليها حصة للاردن من المياه المشتركة. اما ما هو مشترك في اطار تلك التجارب, فيظهر في نقطة ثانية اساسها, ان اتفاقيات السلام العربية ـ الاسرائيلية, لم توقف اسرائيل عن المضي في برامجها العسكرية التقليدية وغير التقليدية على السواء, مما يباعد الهوة بين القدرات العسكرية العربية والاسرائيلية, ويضاعف من اختلالات موازين القوى المختلة اصلا بين العرب واسرائيل, ومما يزيد خطورة الامر, ان النزعة العسكرية الاسرائيلية ما زالت سائدة ومتصاعدة, بل انه بين وقت وآخر تظهر دعوات لشن الحرب ضد دول عربية, كما تتوالى تقديرات اسرائيلية لاحتمالات حروب مع العرب, لا تستبعد منها مصر التي مضى على توقيعها معاهدة سلام مع اسرائيل اكثر من عشرين عاما. ان الاساس في عدم توقف اسرائيل عن متابعة برامجها العسكرية بما فيها البرامج النووية والبيولوجية, لا يكمن فقط فيما يسميه الاسرائيليون بالحفاظ على (الأمن الاسرائيلي) والذي لم يكن مهددا على مدى عقود من السنوات مضت, كما أثبتت الوقائع, بل باعتبار ان متابعة البرامج العسكرية, هو الأساس في استراتيجية السيطرة السياسية والاقتصادية متعددة الابعاد والتي تتابعها اسرائيل منذ قيامها, وهي ستتابعها بالمنطقة في المدى المنظور. ومما لاشك فيه ان تلك الحيثيات والتفاصيل ستكون بين موانع اساسية, تجعل حدوث انقلاب دراماتيكي في علاقات سوريا واسرائيل في ختام المفاوضات الحالية, امرا مستبعدا حتى لو تم التوصل الى اتفاق سلام بين الجانبين, هذا اذا تجاوزنا حقيقة ان السوريين قد حصدوا نتائج مرة طوال سنوات صراعهم مع اسرائيل ومنها, ان اغلب مواردهم على مدى عقود ذهبت الى الجيش والتسلح, بدل ان تذهب الى التنمية الاقتصادية والاجتماعية, اضافة الى انه لا يكاد توجد اسرة سورية لم تفقد لها قريبا أو عزيزا في الحروب مع اسرائيل, وان اغلب السوريين لا يستطيعون نسيان ان فلسطين حتى وقت قريب كانت جزءا من سوريا, والذين ينسون ذلك أو يتناسوه, يذكرهم به نحو نصف مليون فلسطيني يعيشون بين السوريين. * كاتب سوري