خلال الاسبوع وعلى اثر صدور قرار جديد باسم مجلس الامن الدولي بشأن العراق قدمته بريطانيا وتقف من ورائه الولايات المتحدة تحدث من على شاشة CNN عالم امريكي متخصص في شئون اسلحة الدمار الشامل عن احتمال ان تعيد بغداد بناء ترسانتها من هذه الاسلحة . كان هذا العالم الخبير يشرح لماذا يؤيد ما ورد في قرار مجلس الامن بشأن اعادة نظام التفتيش الدولي عن اسلحة الدمار الشامل في العراق تخوفا من ان يعيد العراق امتلاك هذه الاسلحة في غياب نظام التفتيش. ولتعزيز حجته ضرب العالم الامريكي مثالا: قال انه علم ان وزارة الصحة العراقية استوردت مؤخرا عددا من اجهزة عمليات غسل الكلى لتزويد المستشفيات بها. وقال انه لاحظ ان عدد (السويتشات) الملحقة بهذه الاجهزة لتشغيلها كبير نسبيا. ولما كانت مثل هذه (السويتشات) قابلة للاستخدام ايضا لتشغيل صواريخ نووية فانه (يستنتج) ان السلطات العراقية استوردتها لهذا الغرض تحديدا. ويضيف العالم الخبير ان اعادة بناء ترسانة العراق من اسلحة ومواد الدمار الشامل (امر حتمي) مستقبلا اذا لم تبق فرق التفتيش الدولي داخل الاراضي العراقية. لماذا؟ لان العلماء العراقيين المتخصصين في الفيزياء النووية والهندسة الكيمياوية على قيد الحياة! هذا العالم الخبير يعمل لحساب وزارة الخارجية الامريكية. وهنا يقع خلط. فهو يتحدث من موقع العلم والحقيقة العلمية بينما هو في الحقيقة لا يعكس الا الرؤية الرسمية الامريكية تجاه العراق ومستقبله. هذا الاسلوب الخداعي يستخدمه ايضا الدبلوماسيون الامريكيون في دوائر الامم المتحدة وان كان بلغة مختلفة... فهم يطرحون النوايا الشريرة الامريكية تجاه العراق باسم (الشرعية الدولية) وفي هذا السياق يقسمون انهم لا يعارضون رفع العقوبات عن العراق اذا استوفى شرطا معينا... ولا يقولون ان ما وطنت واشنطن نفسها عليه هو ان يبقى العراق حكومة وشعبا تحت الحصار الى الابد. بهذه الذهنية المخادعة الشريرة جرت صياغة مشروع القرار بتعمد مراعاة الدقة اللفظية في عبارات معينة مع تعمد استخدام الفاظ فضفاضة في عبارات اخرى. ويحكم العبارات كلها كلمة مفتاحية محورية هي (التعاون) : متاح امام العراق ان يتخلص من قيود العقوبات والحصار اذا ابدى (تعاونا كاملا) مع لجنة مفتشي الاسلحة. ومدى التعاون او عدم التعاون في هذا الصدد امر يقرره في الاساس رئيس اللجنة كل اربعة شهور. ومعنى ذلك ببساطة هو إعادة تشغيل فيلم (ريتشارد بتلر) وفيلم رولف ايكيويس) رئيسي اللجنة الدولية على التوالي .. كلاهما كان يقبض مكافأة اسطورية من الخزينة الامريكية في مقابل الا يلتفت الا الى توجيهات واشنطن. وتفجرت الفضيحة لاحقا عندما اذاعت السر بصورة ايجازية صحيفة (واشنطن بوست) ورواها بالتفصيل المذهل سكوت ريتر احد اعضاء لجنة بتلر. وحتى هذه اللحظة لا ادري لماذا لم يأمر الامين العام للامم المتحدة باجراء تحقيق رسمي فيما نسبه ريتر الى بتلر واعضاء فرق التفتيش بأنهم ـ بالاضافة الى ـ عملهم لحساب الحكومة الامريكية ووفقا لتوجيهاتها بشأن مهمتهم في العراق كانوا ايضا عملاء لجهاز (الموساد الاسرائيلي) . هذا السؤال يظل مفتوحا لا من حيث سمعة هيئة الامم المتحدة وأمينها العام فحسب, بل ايضا والاهم من ناحية (تعاون) العراق مع اللجنة الجديدة. وهنا نستذكر كيف كان إيكيوس ومن بعده بتلر يقدم كل منهما تقريراً دوريا الى مجلس الامن الدولي يفيد بأن العراق (غير متعاون) مع اللجنة في الكشف عن اسلحة ومواد الدمار الشامل. ان اللعبة مكشوفة وعارية تماماً: ان يبقى العراق الى الابد تحت الحصار والعقاب كرقم عربي مشلول, وعلى هذا الاساس فان قرار مجلس الامن الجديد الذي ابتدرته بريطانيا بالتواطؤ مع الولايات المتحدة ورفضته بصورة غير مباشرة روسيا وفرنسا والصين ليس في الحقيقة جديدا... ولا حتى من الناحية الشكلية.