بعد رضوخ إسرائيل المفاجىء لشروط سوريا حول ضرورة إعادة التفاوض من حيث انتهت إليه عام 1996 بالموافقة الصريحة من جانبها على الانسحاب من الجولان, يثور السؤال عن الأسرار والمتغيرات أو الضغوط التي أملت على رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك هذا الخيار, والى حد الإعلان عنه على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في دمشق, وقبل أن تتوجه بعد ذلك إلى إسرائيل , بل وتحديد موعد ومكان التفاوض بين باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع في واشنطن , قبيل تصويت الكنيست بالموافقة على إعادة التفاوض, بالرغم من تأكيد باراك على أنه مضطر إلى اتخاذ قرارات مؤلمة وصعبة. هكذا بدا وكأن ما حدث مفاجأة بل ومذهلة , خاصة وأن إيقاع تداعياته المتسارعة بدت كما لو أنها قد أخذت مجراها في إطار سيناريو متفق عليه سلفا بين سوريا وإسرائيل وأمريكا, وأن جولة أولبرايت الأخيرة في المنطقة ولقائها بالرئيس الأسد وباراك تركزت على وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق جاهز بين سوريا وإسرائيل على إعادة التفاوض وليس حول بحث شروط وتذليل صعاب. والحقيقة التي تشهد بها إسرائيل وأمريكا وإجماع المراقبين أن الرئيس الأسد زعيم سياسي محنك وصعب المراس, وأنه ظل يدير صراع الإدارات على مسار السلام السوري باقتدار وحكمة, دون أن يفرط أو يتنازل عن الثوابت والشروط التي تؤمن عملية تحرير الجولان, وفي هذا الصدد ينبغي مراجعة جملة التحديات التي جوبهت بها سوريا على أمل تليين موقفها الصلب, وبينها انفراد الفلسطينيين بالتفاوض مع إسرائيل في أوسلو والواي ريفر وشرم الشيخ,ومحاولات إسرائيل المستميتة لشق تماسك مساري السلام السوري اللبناني عبر مواصلة القصف المتواصل للشريط الجنوبي المحتل في لبنان,ـ وادعائها الاستعداد للانسحاب من لبنان أولا بشرط الاتفاق على تدابير أمنية لحماية مستوطناتها الشمالية من عمليات المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله, ثم عرضها الانسحاب للمرة الثانية من جانب واحد, مع التهديد بتدمير البنية التحتية في لبنان, في حالة الإخلال بأمنها على غرار ما حدث بالتزامن مع مجزرة قانا, بل إلى حد التهديد باجتياح بيروت للمرة الثانية, وأخيرا إعلان التحالف الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل , وفي أثره هددت تركيا باجتياح دمشق خلال ساعات بزعم دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني المعارض, بينما كان الهدف غير المعلن إجبار سوريا على سحب قواتها أو بعضها من لبنان والجبهة السورية, لولا مبادرة الرئيس حسني مبارك لتطويق الأزمة في حينها. والشاهد أن سوريا لم تكن وحدها على ساحة المواجهة السياسية مع إسرائيل , فهي قد نجحت في حشد الحد المتاح من التضامن العربي في ظروف اختلالاته لمساندة موقفها, و كذا روسيا والصين وفرنسا والاتحاد الأوروبي , وكانت هناك جهود وضغوط ووساطة دبلوماسية مع إسرائيل وأمريكا لتحريك جمود عملية السلام على المسار السوري, آخرها مبادرة في هذا الصدد أوشك أن يطلع بها الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا, لكنها باءت جميعها بالفشل, في الوقت الذي كانت سوريا في موقف لا تحسد عليه وهي تواجه نذر العدوان الإسرائيلي , وهو ما أكدته الجامعة العربية في تقريرها العسكري الذي قدمته للدول الأعضاء أواخر العام الماضي حول المناورة العسكرية التركية الإسرائيلية التي أطلق عليها (حورية البحر) , ولم تكن حسب ادعاء البلدين للتدريب على وسائل الإنقاذ البحري, وإنما كانت (بروفة) لاحتلال منطقة قريبة من لواء الاسكندرونة الذي أقتطع من سوريا إبان الانتداب واستولت تركيا عليه, والترويج الإسرائيلي لضرورة القيام بضربة إحباط للقوات المسلحة السورية, قبل أن تتمكن من تنفيذ خطة جاهزة لتحرير الجولان عبر قوا ت كثيفة من المشاة الميكانيكية, يسبقها قصف بالصواريخ التي يمكن تزويدها برؤوس كيماوية, حسبما أشار التقرير الذي أشرف على إعداده زئيف ماعوز رئيس مركز ليفي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب, ولعله بيت القصيد الذي يشي بالقدرات الذاتية السورية ودورها الحاسم في قناعة إسرائيل أخيرا بالعودة إلى المفاوضات مجددا من حيث انتهت, إذ على الرغم من أن روسيا لم تستجب لمطالب سوريا كاملة خلال رحلة الرئيس حافظ الأسد إلى موسكو إزاء إعادة تأهيل ما لديها من الطائرات الميج وتزيدها بمنظومة دفاع جوي طراز (سي 300) يبلغ مداها 150 كيلو متراً ودبابات طراز (تي 72) بما قيمته مليار دولار, إلا أن إسرائيل تخشى ما لدى سوريا من الصواريخ الكورية والصينية التي تستطيع أن تطول في حدود مداها القصير أي من منشآتها العسكرية الجوية في منطقة القلب الاستراتيجي, كما لا تستبعد تزويدها برؤوس كيماوية خاصة في معركة فاصلة ومصيرية. فإذا وضعنا في الاعتبار استحالة وفاء باراك بوعوده للإسرائيليين بالانسحاب من جنوب لبنان في مايو 2000 من دون ضوء أخضر سوري, وإعلان القيادة الإيرانية عزمها على التدخل لدعم سوريا إذا ما تعرضت لعدوان إسرائيلي وهي تملك كذلك صواريخ متوسطة المدى بإمكانها أن تطول أي شبر في إسرائيل , فمن المتعين إذن الانحياز إلى المعادلة التي طرحها الرئيس جمال عبد الناصر لاستعادة الأرض العربية السليبة (ما أخذ بالقوة .. لا يسترد إلا بالقوة) إذ يبدو أنها تحمل الرد الحاسم والموضوعي على جملة التساؤلات المثارة حول الأسباب والدوافع التي أملت على ايهود باراك وهو العسكري المحترف خيار التفاوض مع سوريا والتسليم بحقها المشروع في استعادة الجولان, فضلا عن أن السلام ممكن في حياة الرئيس الأسد , وغيره على حد تقدير إسرائيل من المستبعد الثقة في زعامته وقدراته على الالتزام بتنفيذ استحقاقات السلام. والواقع أن إسرائيل تراهن على إحلال السلام على المسار السوري كمدخل للسلام الشامل مع العرب بصرف النظر عما قد يتوصل إليه تفاوض الجانبين من اتفاقيات, فمن المؤكد أنها لن تمر إلا عبر تنازلات متبادلة, لكن ما يهم إسرائيل بالدرجة الأولى أن تفتح أمامها كافة الأبواب المغلقة لتطبيع علاقاتها مع كافة الدول العربية دبلوماسياً واقتصاديا وثقافيا وأمنيا, خاصة وأن آخر قمة عربية حجمت جموح بعض الدول العربية للهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل , ووضعت شرط التدرج في عملية التطبيع بالتوازي مع خطوات جادة من جانب إسرائيل صوب السلام على كافة المسارات, ومن هنا سوف تجد هذه الدول ما يشجعها على ذلك في حالة وفاء إسرائيل بالتزاماتها على المسارين السوري واللبناني, حتى لو ظلت المراوغات الإسرائيلية على المسار الفلسطيني تراوح مكانها, وهنا تكمن الأهمية السياسية القصوى في خلق آلية عربية ضاغطة للحفاظ على حد أدنى من تلازم المسارات, والامتناع عن التطبيع العربي الشامل مع إسرائيل ما لم يتحقق السلام الشامل والعادل كصفقة سياسية متكافئة, بينما تخشى إسرائيل ما سعت جاهدة لتجنبه على ما يزيد عن خمسين عاما من الصراع العربي الإسرائيلي : (أولا) أفول نبوءة عقيدتها الوراثية في إقامة الدولة الصهيونية من النيل إلى الفرات في حالة التزامها بعدم التوسع على حساب الوجود العربي وترسيم حدودها الدولية مع جيرانها العرب, (ثانيا) أن يتوقف تدفق سيل المعونات الخارجية والتعويضات اليهودية باعتبارها قوام الاقتصاد الإسرائيلي , بعد انتهاء حجتها المزعومة كونها دولة صغيرة وواحة للديمقراطية وسط محيط من الأنظمة غير الديمقراطية والاوتوقراطية في حالة انتهاء حالة الحرب وإحلال السلام الشامل والعادل مع العرب, وهو ما يفسر المقابل الباهظ الذي تطلبه من أمريكا في حالة انسحابها من الجولان في حدود 15 مليار دولار, حيث تقول على الدول العربية النفطية المساهمة في سداده.