ربما يكون الحديث عن (القمة العربية الموعودة) قد تحول احيانا إلى نكتة نضحك فيها على أحوال السياسة العربية, وربما يكون قد تحول في احيان اخرى الى (مأساة) تصور الواقع العربي الذي يجلس فيه البعض مع (العدو) ويصافحه البعض الآخر, ويعانقه فريق ويهرول الى أحضانه فريق.. بينما جلوس العرب إلى انفسهم ممنوع, واجتماعهم في قمة عليه ألف (فيتو) ومليون اعتراض !! ومع ذلك فلابد من الرهان على عودة الوعي العربي الغائب, ولا مفر من الحديث عن ضرورة القمة لكي يوضع الجميع أمام مسئولياتهم في وقت تتعرض فيه الأزمة لأفدح الأخطار, ويتم فيه ترتيب الاوضاع في المنطقة ـ ولسنوات طويلة مقبلة ـ على حساب العرب واستغلالا لموقفهم الضعيف المتهالك. إن قطار التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني يسير, ومع استئناف المباحثات بين سوريا واسرائيل يصبح أمل الرئيس الأمريكي كلينتون في تحقيق انجاز (تاريخي) في الشرق الأوسط قبل نهاية ولايته قابلا للتحقيق, ليتحول به من بطل الفضائح الجنسية الى محقق معجزة السلام الذي كان يبدو مستحيلا قبل اعوام قليلة. ولاشك ان سوريا قد استخدمت اوراقها بمهارة شديدة, واجتازت ظروفا عصيبة اختل فيها التوازن لغير مصلحتها, وقاومت كل محاولات ابتزازها وانتزاع التنازلات منها في ظل انهيار الاتحاد السوفييتي حليفها الاساسي لسنوات طويلة, وفي ظل نتائج حرب الخليج المدمرة للعرب جميعا. صمدت سوريا واجتازت السنوات الصعبة, ورفضت التنازل, وتمسكت بالحقوق. وعندما لعبت الاطراف الاخرى معها لعبة الوقت.. لم ترضخ, وأدركت ان سلاح الوقت على رأس الجميع وأولهم أمريكا نفسها التي يرغب رئيسها في (انجاز) يغطي فضائحه. وهكذا وصل قطار (التسوية السياسية) محطة دمشق. وبدأت المفاوضات التي ستكون صعبة بلا شك, والتي يدرك الجميع ان نتائجها ستكون علامة فارقة في تاريخ المنطقة وفي مستقبل العرب. ومع ذلك فما زال العرب غائبين, وما زالوا أسرى دائرة رد الفعل, وما زالت غاية المنى ان يتم شيء من التنسيق على المسارات المختلفة للتفاوض العربي مع اسرائيل, ورغم اهمية ذلك فإن القضية اكبر, والمسئولية أخطر, والعمل العربي لن يكون مطابقا في يوم من الأيام باسترداد الوعي والعافية مثلما هو الآن, وقبل ان تقع الواقعة ويدفع الثمن الباهظ للتسويات المحتملة. الولايات المتحدة الأمريكية لها خططها في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية, وتقوم بالتعديل المستمر لهذه الخطط وفقا لمقتضيات الأحداث, ولكن الهدف واضح وثابت.. هو السيطرة على المنطقة ووضعها في خدمة الاستراتيجية الأمريكية. واسرائيل تعرف هدفها جيدا, ولا تترك فرصة تقربها من هذه الاهداف الا وانتهزتها. ومعها الآن التفوق العسكري والدعم الأمريكي.. ومعها قبل ذلك كله حالة التردي التي يعيشها العرب, وفقدان الهدف المشترك, وافتقاد الرؤية الواعية والإرادة الحرة التي تضع مصير العرب بأيديهم وليس بأيدي الآخرين. الآن تنفتح ملفات كثيرة مع ظهور ملامح (التسوية السياسية) التي يتم وضعها موضع التنفيذ. ومع ان الكل يدرك ان هذه التسوية لن تكون طريقا للحصول على (كل) الحقوق العربية المسلوبة, فإن ما أرادته اسرائيل من البداية بالانفراد بكل طرف عربي وحده يجري تحقيقه.. وبإرادة عربية هذه المرة, بعد ان آمن الجميع ان الحل في يد أمريكا, وبعد ان أصبح العمل العربي المشترك (بل ومجرد التنسيق العربي) في خبر كان. طريق الحل المنفرد الذي بدأ في كامب ديفيد, و(ازدهر) في أوسلو, أصبح الآن هو الطريق الوحيد, رغم الخسائر الفادحة التي سببها للقضية العربية. واذا كان التوافق السوري اللبناني قد حافظ ـ حتى الآن ـ عل الترابط بين المسارين, فإن اسرائيل سوف تفعل المستحيل لفك هذا الترابط, ولو بتفجير الاوضاع في لبنان. أما (الخائف) الأكبر من استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية وهو القيادة الفلسطينية فإن لديها ما يؤكد مخاوفها (الحقيقية هذه المرة) من ان يؤدي النجاح على المسار السوري إلى ابتزاز اسرائيلي جديد للفلسطينيين وانتزاع تنازلات جديدة منهم. ولاشك ان القيادة الفلسطينية تتحمل الجزء الأكبر من هذا الوضع المأساوي الذي انتهت اليه القضية الفلسطينية. فهي التي (تسللت) الى دهاليز (أوسلو) السرية لتوقع اسوأ اتفاق يمكن ان توقع عليه قيادة رشيدة لحركة تحرر وطني منحها العالم كله تأييده, فإذا بها تقايضه بهذه الاتفاق الذليل الذي ترك كل شيء في يد اسرائيل, وقدم من التنازلات المجانية ما لا يخطر على بال, وأوقف الكفاح المسلح (بل وأدانه باعتباره ارهابا) قبل ان يسترد الارض ويعيد الحقوق! ولعلنا نتذكر هنا ان هذا الاتفاق قد تم توقيعه في اطار ظروف مشابهة, ومع استغلال اسرائيلي للعبة التنافس بين المسارات والايحاء بقرب الاتفاق مع سوريا, فكان ان سارع عرفات بإبرام الاتفاق الكارثة بعد مباحثات سرية, وهو ما يمكن ان يتكرر اليوم, وبصورة اسوأ, وبنتائج اشد سوءا! من هنا يبدو التنسيق العربي امرا ضروريا, ليس فقط من أجل دعم المفاوض العربي على كل المسارات, أو منع الابتزاز الاسرائيلي لهذا الطرف أو ذاك, وانما ايضا للاستعداد للمرحلة المقبلة وتكلفتها الباهظة التي يراد للعرب ان يدفعوها. الفواتير المطلوبة كثيرة.. بعضها يقتصر على دول الطوق (التي كانت دولا للمواجهة) والكثير منها ستمتد آثاره إلى الدول العربية كلها. واذا كان حديث (الفواتير) قد بدأ بالحديث عن (تكلفة) انهاء احتلال الجولان واستعادة سوريا لها, مع تقديرات اسرائيلية وصلت بالمبالغ المطلوبة لاتمام ذلك إلى 17 مليار دولار. واذا كانت أمريكا ستدفع التكلفة الحقيقية لهذه العملية كما تنتظر اسرائيل, فسوف يتم استرداد ما يدفع من الدول العربية.. بصفقات سلاح أمريكية أو تلاعب في اسعار البترول.. إلى آخر منظومة الاساليب المتبعة لتجريد العرب من ثرواتهم والتي تتبع ـ بنجاح كبير ـ منذ ما بعد حرب اكتوبر وحتى الآن. لكن هذه (الفاتورة) هي الأصغر.. فالفواتير الأخرى تشمل الاستيلاء على اكبر جزء من المياه العربية, والاحتفاظ بأكبر جزء من الأرض العربية, وانتزاع القدس, وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وتحميل الدول العربية مسئولية توطينهم وتعويضهم عن الوطن المسلوب. والفواتير الأخرى تشمل ايضا انتزاع الاقرار العربي بالهيمنة الاسرائيلية على المنطقة.. عسكريا باعتبارها القوة الأكبر والمنفردة بامتلاك السلاح النووي, وسياسيا باعتبارها الحليف الأقوى والأقرب للقوة الأعظم التي تسيطر على العالم كله, واقتصاديا باعتبارها صاحبة المشروع الوحيد المطروح بجدية لاعادة صياغة المنطقة وخلق شرق أوسط جديد تفتح فيه كل الأبواب أمام اسرائيل, لتحصل على المال العربي والسوق الواسعة. ان كل الاضواء مسلطة الآن على المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, وربما إلى المفاوضات على المسار الفلسطيني بعد ذلك, ولكن ذلك لا ينبغي ان ينسينا ان جزءا اساسياً من الجهد الأمريكي يركز على الجانب الاقتصادي, والضغوط الأمريكية تتزايد لكي يتم اللقاء الخامس لدول الشرق الاوسط وشمال افريقيا في القاهرة التي وافقت مبدئياً على عقد اللقاء ولكنها ربطت بينه وبين الوصول لنتائج ايجابية في عملية السلام. ان أمريكا لا تريد الاكتفاء حتى باجتماعات لجان التعاون متعدد الاطراف والتي ستجتمع بعد شهرين على الارجح رغم اهمية هذه الاجتماعات, لأنها تريد اقتحاماً استراتيجياً يفرض الرؤية الكاملة الاسرائيلية ـ الأمريكية لمستقبل المنطقة والتي تمت بلورتها في مشروع الشرق أوسطية الذي طرحه شيمون بيريز تحت شعار معلن او غير معلن بأن ما لم تستطع اسرائيل تحقيقه بالحرب ستحققه بالاقتصاد. واذا كانت المسيرة الشرق أوسطية قد تعطلت بسبب الرؤية المخالفة لنتانياهو والتي كانت تصر على ان العنف الاسرائيلي ما زال هو السبيل لفرض الرؤية الصهيونية على المنطقة وأن القوة هي اللغة الوحيدة التي ينبغي التعامل بها مع العرب.. اذا كانت المسيرة الشرق أوسطية قد توقفت بسبب هذه الرؤية, وبسبب ما كشفته الاحداث من ان العرب وحدهم سيدفعون الثمن وان الرابح الوحيد من المشروع الصهيوني للشرق الاوسط هو اسرائيل, فإن الامور تتسارع الآن والضغوط ستشتد لاستئناف المسيرة, خاصة اذا استمر الجو المتفائل المحيط بالمباحثات السورية ـ الاسرائيلية. والسؤال هو: اين العرب من كل ذلك؟ وماذا فعلوا لمواجهة هذا الهجوم الضاري لفرض التسوية التي يريد العدو منها ان يأخذ صك البراءة على جرائمه السابقة, وان يحصل على اعتراف كامل بأن مزاعمه هي الحقيقة وان ما فرضه بالقوة هو التاريخ والواقع والمستقبل؟ والجواب ببساطة: لا شيء!! فالسنوات القريبة الماضية قضيناها في (تمهيد الاجواء) حتى نتمكن من عقد القمة العربية الموعودة والنتيجة ان الاجواء تزداد سوءاً, والقمة العربية لا تنعقد لأن اصحاب القرار الحقيقي لا يريدون لها ان تنعقد. وهكذا كان استئناف المفاوضات الاسرائيلية السورية مفاجأة, مثلما كان انقطاعها قبل ذلك مفاجأة اخرى, وهكذا اصبح علينا ان نقرأ كل يوم اخبار المباحثات على المسار الفلسطيني كما نقرأ أخبار الجو.. مرة بارد ومرة ساخن, مع الادراك الكامل بأن المباحثات الحقيقية تجري بعيداً عن قاعة المفاوضات, وان اسرائيل ستفرض في النهاية رؤيتها بعد العديد من الاحتجاجات والتهديدات الفلسطينية التي لا تسندها الا قبلات ومصافحات القادة ووعود أمريكا التي لا تتحقق واتفاقات اسرائيل التي يتم تنفيذها وفقاً للمصالح الاسرائيلية وحدها. الآن.. يبدأ الهجوم الأمريكي الكبير, والكل (على الجبهة العربية) غير مستعد لشيء وليس هناك اي اتفاق على أي شيء بين الفرقاء العرب, بل بين الفرقاء داخل الدولة العربية الواحدة! والنتيجة ان تتلاعب اسرائيل بالجميع, وان تفرض شروطها وان تسير بالدعم الأمريكي لتحقيق كل اهدافها, وانتزاع ما تريد من تنازلات عربية, وتحقيق الانتصار الكامل والهيمنة الشاملة على المنطقة العربية. نعرف ان الحديث عن (القمة الموعودة) قد أصبح نكتة او مأساة, ولكن ماذا نفعل, واي سبيل ـ غير القمة ـ يمكن من خلاله للانظمة ان تنقذ الموقف وان تستعد للمواجهة الصعبة خلال المفاوضات وللمواجهة الاصعب بعدها؟ ان فشل المفاوضات سوف يؤدي إلى تفجير الاوضاع في المنطقة كلها, ونجاح المفاوضات سوف يخلق اوضاعاً صعبة في الاقطار العربية قد تصل إلى حد الكارثة ان الامر يتعلق هنا بانقلاب شامل في المنطقة يتضمن تنازلات سياسية من سوريا, وتنازلات تاريخية من الفلسطينيين, وفرض الحل الذي لن يكون شاملاً ولا كاملاً ولا عادلاً للصراع التاريخي بين العرب والصهاينة وفتح الباب للمشروع الصهيوني الأمريكي الذي يلغي (العرب) قومياً ليفتح الباب للشرق أوسطية. ان الامر هنا لا يتعلق بدعم المفاوضين السوريين والفلسطينيين واللبنانيين وانما يتعلق بتصحيح المسار الذي ينبغي ان تسير فيه محاولات التسوية ولن يكون ذلك الا بطرح رؤية عربية متكاملة تؤكد ان تحرير الجولان والعودة لحدود الرابع من يونيو ,67 والانسحاب بلا شروط من جنوب لبنان, وتطبيق قرارات الشرعية الدولية بشأن القضية الفلسطينية بالانسحاب الكامل من الضفة وغزة والقدس الشرقية وقيام الدولة الفلسطينية هي الخطوط الحمراء لأي تسوية مؤقتة وان اي حل نهائي لا يمكن ان يتم الا بعودة اللاجئين الفلسطينيين لوطنهم وتطبيق قرارات الامم المتحدة بشأنهم, ونزع السلاح النووي الاسرائيلي وبدون ذلك فإن اي حل لن تكتب له الحياة مهما كانت الضغوط ومهما كانت الاغراءات. من أجل ذلك لا تريد أمريكا للقمة العربية ان تنعقد ويتهرب بعض العرب منها خوفاً من المسئولية, ويخشى البعض منها لأنها تضعهم أمام الحقيقة ويغمض الكثيرون عيونهم ليتمتعوا بوهم انهم لا يرون الخطر.. والخطر أقرب مما يظن الجميع!