الصراع في السودان بين عمر البشير وحسن الترابي سر معروف لدى السودانيين انفسهم وبين المهتمين بالشأن السوداني, ولم يكن مفاجأة ما حدث اخيرا من تطورات, فقد كانت مقدماته مكتوبة على الجدران كما يقال, وللحق إنني وجدت في اثناء مراجعتي لبعض ما كتب, تحضيرا لكتابة هذه المقالة, وجدت ان العديد من المتابعين من الكتاب قد نشروا قبل وقوع الفرقة الاخيرة بين القطبين كلاما كثيرا تنبأوا فيه بما حدث, وكان الكثير من الخبراء قد تنبأوا بأن ينقض الترابي على البشير لا العكس, وربما كانت المقدمات في الاشهر الاخيرة قد مالت بهذا الاتجاه لولا ان البشير سبق الترابي بأيام قلائل, وربما ـ إن لم نتعجل الامور ونحكم عليها بسرعة ـ يخرج الترابي منتصرا في الصراع الدائر أو من غير خسارة كبيرة من التي يتوقعها بعض المتعجلين من المعلقين, ومما كتب حتى الان في ردة فعل اولى عن الاحداث الاخيرة في السودان. الا ان ما هو على السطح يخفي الكثير مما هو تحت القشرة السياسية في السودان, فالوضع السوداني معقد ومتداخل وله علاقة بما يحدث في المنطقة من ترتيبات لاستتباب نوع من السلام الاقليمي. قابلت الترابي اكثر من مرة في مؤتمرات عدة, مرة كان داخل الحكم ومرة خارجه, المرة الاولى وكانت قوانين سبتمبر 1983 قد وجدت طريقها تحت قيادة جعفر نميري إلى التطبيق في السودان, كان الترابي فخورا بأنه مهندس هذه القوانين وراعيها, وبأن قطع الايدي والارجل جزء من تهيئة الشعب السوداني لتقبل المقبل, ومن لا يعجبه ذلك فعليه الهجرة خارج السودان, ومما قاله ان النميري في جيبه, قال هذا الكلام امام مجموعة كبيرة من الناس وبحضور سفير النميري وقتها في تلك العاصمة العربية, وبين معجب ومتعجب مما قال اختلفت التعليقات في ذلك المجلس العلمي وتضاربت, ولكن الترابي بدا واثقا من نفسه ومن المستقبل. التقيت الترابي المرة الثانية في عاصمة عربية اخرى, وكانت التجربة الديمقراطية السودانية الثانية في اوج عزها بعد سنوات من الانقلاب على النميري الذي تم في سنة ,1985 كان الترابي يعلن أنهم (أي التنظيم الذي يقوده في السودان) ليسوا ضد من يدين بدين اخر, وحتى اللاديني غير المؤمن بكتاب, له مكان في العمل السياسي السوداني وله حقوقه كمواطن, كان ذلك خطابا مخالفا للخطاب الأول ولكنه متفق مع الجو العام وقتها. في المكانين كان الترابي يملك شخصية قيادية مختلفا عليها: بعضهم يرى فيه المنقذ المجدد القادر على التغيير, وبعضهم يرى فيه رجل المكائد واستاذ لي الاذرع, وهو شخصية, وان اختلف على تقييمه اعداؤه واصدقاؤه, لا يمكن لاحد ان ينكر فيه انه استاذ في ان يبقي رأسه دائما فوق هدير السياسة السودانية الهائج في اكثر من عصر وتحت اكثر من شعار. الان عرفنا على وجه اليقين ما كان يقال ترجيحا من أن الترابي وتنظيمه السياسي هما اللذان اطاحا بتجربة الديمقراطية الثانية في السودان, حيث أوعز لحلفائه في الجيش السوداني بانقلاب الانقاذ سنة ,1989 وقد يكرر عمر البشير ما فعله النميري قبل عشرين سنة خلت من انقلاب البشير, عندما تحالف النميري مع الحزب الشيوعي السوداني, واليسار بشكل عام, لينفذ انقلابا على الديمقراطية الاولى في مايو سنة 1969. في الحالتين تحالف قطاع من العسكر مع تيار مدني يدعو لاخذ المجتمع السوداني بهذا الاتجاه أو ذاك, وتعايش الاثنان: الانقلابيون العسكر وذلك القطاع المدني السياسي لفترة, حتى اذا هم ذلك القطاع السياسي أن يستولي على السلطة, عاد العسكر من جديد لتصفيته والتحالف مع نقيضه. حدث ذلك مع النميري, كما قلت, متحالفا مع اليسار, وعندما هم الاخير للاستيلاء على السلطة تمت تصفيته, فخلا العسكر من حلفاء, لذلك التجأوا إلى النقيض المدني, وكان وقتها التيار السياسي الديني الناشىء, يقود تجمعاته المختلفة حسن الترابي. والتاريخ يكاد يعود من جديد ليكرر نفسه, تحالف البشير مع الترابي للوصول إلى السلطة, فأراد الترابيون بعد ان اشتد عضدهم أن يقفزوا على السلطة ويحيدوا العسكر لينفردوا بها. الا ان التشابه يبقى في شكله الخارجي, فالترابيون من جهة وعوا التجربة الاولى, فقاموا بعدد من الخطوات الاحترازية تحسبا لساعة الفراق, منها على سبيل المثال لا الحصر أدلجة قطاعات واسعة من الجيش السوداني نفسه, وكذلك بنوا تجمعات من الميليشيات المختلفة خارج الجيش موالية لهم مثل الدبابين وقوات الدفاع الشعبي من بين العديد من التنظيمات المسلحة, لذلك نرى البشير, وان اتهم قيادات في المؤتمر الوطني الحاكم بالمروق, يشدد على انتمائه للحركة السياسية الاسلامية, تحرزا للقادم من الايام وارتكازا لشق الصف نفسه, وهو القاعدة الوحيدة المنظمة اليوم في السودان, فلا بديل جاهزا أو محتملا في الوقت الحاضر لنصرة البشير خارج ذلك الصف, ان هو قرر ـ أو فرضت عليه الظروف ـ ان يصطدم بالترابيين وتجمعاتهم المختلفة, لذلك هو يتحدث عن (تطهير) المؤتمر الوطني لا (التخلص) منه, ويتحدث عن عدم جواز البيعة لإمامين لا حل الحركة الاسلامية, لان القاعدة السياسية العريضة المتبقية في السودان هي الحركة الاسلامية بعد تصفية الخصوم السياسيين وتطهير الجيش من العناصر غير الموالية. لذا فانه من المبكر الحديث عن ان السودان سوف يتجه في سياسته الاقليمية توجها اخر غير الذي خبرنا, وعلى عكس التفاؤل الذي ابداه البعض من الدول القريبة من السودان, معتبرين ان هناك بابا جديدا قد فتح لتجربة جديدة تبتعد بالسودان عن كل الاخفاقات السياسية والاقتصادية التي مني بها في السنوات العشر الاخيرة, فلايزال ذلك التوقع بعيدا عن التحقيق, بدليل ان اللهجة القاسية التي ظهرت ابان الايام الاولى للانشقاق والتي حملت كلمات مثل الخيانة والتوعد بالجهاد, قد تراجعت إلى لهجة أخرى قريبة إلى التصالح والبحث عن حلول وسطى, الا ان المؤكد ان التساند بين العسكر والحركة المدنية الدينية الذي كان يتراوح بين المد والجزر قد انقطع بعد حركة البشير الاخيرة أو تراخى على الاقل. تقف دون المتفائلين بترميم كامل لمسار السياسة السودانية مجموعة من العقبات تراكمت على مر الزمن, فقد تم استخدام الجيش السوداني على مدى ربع القرن الاخير في السياسة, مما افقده مهنيته المتوقعة, كما ان الانظمة الشمولية في الغالب لا يمكن اصلاحها من الداخل, وفي المقابل فان جبهة القوى الديمقراطية لها تمثيل في الخارج اكثر من وجودها منظمة وفاعلة في الداخل, فالسودان يفتقد فريقا ثالثا نشطا داخليا يسعى لاقامة الدولة المدنية ويملأ الفراغ الذي خلفه طلاق العسكر من المدنيين. ربما يكون احد العناوين الملخصة للعمل السوداني السياسي ما اشار اليه منصور خالد وزير الخارجية الاسبق والذي انضم لصفوف المعارضة الجنوبية, حيث نشر كتابا بعنوان (النخبة السودانية وادمان الفشل) , هذا الادمان الذي نجم عنه تراكم الكثير من الاخطاء, في التحالفات والتحالفات المضادة, طلبا للبقاء في الحكم فقط, دون الحرص على الابقاء على آلية سياسية تحتضن المختلفين في بلد ومجتمع من طبيعته الاختلاف في الاعراق والتباين في الاجتهادات, وتتوق نخبته إلى التحديث. الحزبان الكبيران: الاتحادي (بقيادة الميرغني) والامة (بقيادة المهدي) قد وهنا في العمل السياسي, خاصة في دورة الانفتاح السياسي الديمقراطي الاخيرة, وتقاعسا عن تقديم بديل حديث ومنظم يواكب مطالب التحديث, وفي اشارة بالغة المعنى يقول خالد المبارك احد رجالات حزب الامة في مقال نشر له سنة 1994 في مجلة (ابواب) ما يلي: (أما حزب الامة فقد صار هو الاخر خزانا تغترف منه الاحزاب العقائدية (والاصوليون بشكل خاص) وتسمن على حسابه, وقد وفر لهم الحماية والرعاية, فلما اشتد عودهم رموه, وفي ذلك درس بالغ لجهات عدة في العالم تسترضي الاصوليين وتحاول ان تتقي شرهم بملاينتهم. ما يمكن ان نصل اليه بعد ما حدث في السودان اخيرا هو ان الصراع المشاهد لايزال في بدايته, وانه قد يحتدم اكثر, وهو صراع كما يظهر على السطح سقطت فيه الصفوة السودانية في سوء فهم على امتداد العقود الاربعة الماضية, سوء فهم لقدراتها, أو فهم لما يستطيع ان يحتمله السودان من صراع, فالوضع الاقتصادي والمدني والثقافي في السودان منذ عبود مرورا بالنميري وانتهاء بالبشير لا يحتمل ولا يطيق حربا بلا نصر في الجنوب, واجندة حزبية ضيقة في الشمال, وعداء متقطعا مع الجيران, ونصرة جماعات العنف في العالم, انه باختصار انتفاء الرشادة في العمل السياسي السوداني, فهل نتوقع رشادة ما في الاشهر القليلة المقبلة؟ هذا يتوقف على نتاج ما حدث اخيرا, وما اذا كان صراعا على السلطة بين اشخاص ينتهي بانتهاء خروج ظافر وحيد إلى السطح, أو هو بداية رشادة سياسية سودانية تعيد السودان إلى سيرته الاولى من تسامح ومساواة, بعيدا عن الانهاك والحروب والوهن. اما من يتصور حدوث تغير جذري في اتجاه سفينة السودان السياسية فقد يكون متفائلا اكثر مما يسمح به الواقع, ويبدو ان التغيير الذي ظهرت معالمه اخيرا هو تغيير في قيادة السفينة فقط, حتى اشعار اخر.