بزوال الحزب الشيوعي من الوجود السياسي السوداني نشأ فراغ ايديولوجي واسع لم يكن ليستطع ملأه الا التنظيم الايديولوجي المنافس الذي بقي على قيد الحياة (جبهة الميثاق الاسلامي).غير ان الاسلاميين لم يكونوا في موقف للاستثمار الفوري للفرصة في عام 1971 وما تلاه , لان (الجبهة) ظلت تنظيما محظورا في عهد نميري منذ توليه السلطة في عام 1969 والى عام 1977 حين اكتملت مصالحة وطنية مع نظام نميري كان احد طرفيها (حزب الامة) والثاني (جبهة الميثاق الاسلامي) . عام 1971 هو العام الذي وقعت فيه النكبة العظمى للحزب الشيوعي, على اثر فشل عملية انقلابية يسارية ساندها الشيوعيون لم يزد عمرها في السلطة عن ثلاثة ايام حين وقع انقلاب مضاد اعاد نميري الى السلطة. وبمساعدة شق من الحزب انطلقت اجهزة امن نميري للقضاء على الشق الآخر. وفي العام التالي حاولت (جبهة الميثاق) وقد استشعرت ثقة بالنفس بعد الغياب المأساوي للحزب الشيوعي, ان تثير انتفاضة طلابية ضد نميري. واذا تمكنت السلطة في قمع المحاولة فانها توقفت عند هذا الحد... فلم يحدث تنكيل جماعي بالاسلاميين على نحو ما جرى للشيوعيين. لكن بعد اربع سنوات من الانتفاضة الاسلامية الفاشلة دخل قادة جبهة الميثاق الناشطين في الخارج في اكبر مخاطرة ضد نظام نميري, عندما شاركوا في عملية غزو عسكرية انطلقت من الاراضي الليبية عبر الحدود الى السودان كان قوامها كوادر مدربة من جماهير (حزب الامة) بقيادة القطب (الاتحادي) المعارض الشريف حسين الهندي بمشاركة الصادق المهدي. ورغم ان العملية انتهت الى فشل, الا انها هزت نظام نميري من جذوره مما اضطره في العام التالي, 1977, الى عقد تصالح مع قادة المعارضة في الخارج سمح لهم بالعودة الى السودان للمشاركة في الحياة السياسية, ولكن في اطار النظام السياسي الذي يسيطر عليه نميري. طوال هذه الفترة كان د. الترابي في الظل رهين منزله... لا يمارس اي نشاط سياسي... ولم يغادر الى الخارج... وبالتالي لم يلعب دورا في عملية الغزو الذي انطلقت في ليبيا. ظهر زعيم الجبهة فقط في المرحلة التالية للمصالحة الوطنية بعد ان استقامت الامور بين المعارضة والنظام الى حين. من اول وهلة بعد التصالح لا شك ان د. الترابي ادرك الفراغ العريض في الحياة السياسية الذي خلفه زوال الحزب الشيوعي. لقد انتهى ذلك التنظيم اليساري القوي الذي كان يشكل اكبر منافس واخطر ترياق ضد التنظيم الاسلامي. ولاشك ان الترابي قرر استثمار هذه الفرصة لاقصى حد ممكن. وما شجعه قطعا على هذا الاستثمار ان الرئيس نميري ظل منذ بطشه الدموي بقادة الحزب الشيوعي يعيش حالة ارتعاب نفسي داخلي وهو يكابد هاجس احتمال انتقام شيوعي حتى قيل انه لم يكن ينام الا اربع ساعات خلال اليوم والليلة. وضمنيا تلاقت رغبتان: رغبة الترابي في استثمار انفراد (الجبهة) بساحة العمل السياسي خاصة في المجال الطلابي, ورغبة نميري المحمومة في الاستعانة بكوادر الجبهة في تعقب اية احتمالات لانبعاث الخطر الشيوعي من جديد. الفترة من 1977 الى عام 1985 قبيل سقوط نظام نميري بأسابيع في ذلك العام كانت اذن عصرا ذهبيا للترابي وتنظيمه. بلا منافس انتشرت كوادرهم وسط طلاب المدارس والجامعات يبشرون ويجندون الكوادر الجديدة. اهم من ذلك انهم استطاعوا ان يمكنوا لانفسهم ماليا بانشاء سلسلة من البنوك. والاكثر اهمية ان كوادرهم داخل القوات المسلحة كانت تمارس نشاطها في التنظيم والتجنيد السياسي بحرية كاملة. وهكذا نستطيع القول دون مبالغة ان العملية الانقلابية التي قامت بها الجبهة الاسلامية في 30 يونيو 1989 هي حصيلة تراكمات تمتد جذورها للوراء الى منتصف الستينيات, من حظر الحزب الشيوعي في عام 65 الى تواطؤ ضباط يساريين مع ضباط آخرين لاحداث الانقلاب الثأري الذي قاده نميري عام 69. وبما ان الانقلاب نفسه ادى الى شق الحزب الشيوعي فان نميري استغل هذا الانشقاق للقضاء على غرمائه الشيوعيين. وبما ان الساحة خلت من الشيوعيين فقد نشأ ظرف ادى لاستئثار الاسلاميين بالساحة. واستئثارهم بالساحة هو الذي مكن لهم من جمع اسباب القوة الاقتصادية والسياسية والتدبير التنظيمي داخل القوات المسلحة. ولذا يمكن القول انه بسقوط نظام نميري في عام 1985 كانت تدابير الجبهة الاسلامية للاستيلاء على السلطة قد صارت جاهزة... تقريبا.