مازلنا نفتقد المدير الشجاع والمسئول الكفؤ الذي يستطيع ان يواجه الحقائق بالحقائق, فيرد على مشكلة ما تتعلق بحدود اختصاصاته ومسئولياته أو يعترف بوقوع اخطاء مع وعود بسرعة تصحيحها, فما يجري عادة عند تفجر مشكلة هو ان يتوارى هذا المدير ويختفي عن الانظار ويتهرب من المواجهة, أو على افضل تقدير , فهو يقوم فورا بالقاء اللوم على الآخرين, وهناك من يملك قدرات بارعة أخرى فيتخلص من المشكلة نهائيا ويطلع منها كالشعرة من العجين. النتيجة لمثل هذه النوعية من المديرين والمسئولين هي استمرار بقاء المشكلات كالجمر تحت الرماد, وانبعاثها مرة اخرى, اما بعد شهر أو بعد عام, مع تفاقمها وتسببها في اضرار على الافراد والصالح العام على الدوام, مع ان الاعتراف بها, هو افضل السبل وأقصرها إلى حلها بعد الكشف عنها ومحاسبة المتسببين بها. ففي اسبوع واحد مثلا تجددت مشكلة المفرقعات, التي هي حديث كل رمضان وحوادثه ايضا, مع زيادة هذه المرة لانها تسببت في ضحايا بسبب تطور انواع المفرقعات من اشكال بسيطة إلى ما يشبه القنابل الفعلية, وفي الاسبوع نفسه ظهرت قضية الدجاج السياسي, وهي قضية غش وبضاعة فاسدة واغذية غير صالحة, من التي تتجدد كل حين وآخر, وبدلا من الكشف الكامل عن الاسباب والمتسببين وطبيعة الخطأ والاسراع إلى معالجته, فان أمر الدجاج كما أمر المفرقعات, كما أمر كل مشكلة أخرى أو خطأ سوف ينتهي إلى النسيان أو الصمت الرهيب, أو المريب, لا فرق. ونبقى مع الدجاج السياسي, وهو مصطلح اكتسبته قضية الدجاج بعد أن نبه احد المديرين فيما يبدو مواطنا معنيا بالمشكلة بعدم الحديث في السياسة, فقد عرف أن شحنة دجاج اختفت من مطار الشارقة, ثم قيل أنها صودرت لان 70% منها فاسد ولا يصلح للاستهلاك, ثم عرف بعد ذلك ان مواطنا في احدى المزارع يبيع كميات منها, ثم قيل ان الكميات تم توزيعها على المواطنين ومنهم صاحب المزرعة الذي صار بقدرة قادر متهما, فيما هو من الذين حصلوا على الدجاج كغيره من الناس, ثم قيل ان الدجاج صالح للاستخدام وغير فاسد, ثم انتهينا من كل ذلك إلى ان بيانا سوف يصدر للايضاح, ولم يصدر بيان حتى الآن. وبما ان حجم الشحنة يصل إلى عدة آلاف من الدجاج الحي, ومع الغموض الذي يكتنف هذه القضية وفي ظل صمت المسئولين المباشرين عن صحة الناس وعن التجارة والشحن وغيرها من قطاعات, فإن قضية الدجاج بهذا المعنى الغامض فضيحة حقيقية, لن يلغيها سوى مواجهة الحقيقة, وكشفها للناس والاعتراف بوقوع خطأ ما, مقصودا أو غير مقصود, أما الصمت عنها فمعناه ترك الحبل على الغارب, ومعناه أن الدجاج السياسي, يمكن ان يتكرر. ومن الدجاج إلى المفرقعات, فهذه لا يكفي ان يتبادل المسئولون في عجمان اللوم مع المسئولين في دبي عنها, فيرمي كل منهم الكرة في مرمى الآخر, لان المفرقعات موجودة وهي تدخل البلد إما بطرق مشروعة أو غير مشروعة, وثمة خطأ في مكان ما ينبغي الاعتراف به بشجاعة, فالضحايا, للمفرقعات كما للدجاج السياسي, في حالة كان فاسدا هم نحن المواطنين والمقيمين والمستهلكين, الذين من المفترض ان يعمل المسئولون في دوائر الخدمات على حمايتنا وسلامتنا وراحتنا واطمئناننا إلى آخر قائمة الواجبات التي عليهم والحقوق التي لنا. وهكذا فان اعترافا شجاعا بالخطأ الذي ربما لا يكون مقصودا, وكشفا كاملا للمشكلات وللحقائق أمام الناس أفضل الف مرة من الصمت أو التهرب أو إلقاء اللوم على الآخرين, ذلك لانه كلما غيبنا الحقيقة وحجرنا عليها, حل محلها الغموض, الذي بدوره يفرخ الشائعات والأقاويل, فيما المشكلات والاخطاء تبتعد لتبقى في الظل إلى حين تطل برأسها من جديد.