في أخبار التسوية السياسية بين العرب واسرائيل تبرز اليوم قضيتان شديدتا الأهمية, وتفرضان يقظة كبيرة على المعنيين العرب بصنع القرار, لأنهما سيتركان آثارهما العميقة على مستقبل المنطقة.القضية الأولى هي عملية التنسيق بين المسارين السوري واللبناني حيث لا يختلف اثنان في ان هذا التنسيق بمستواه العالي والقوي خلال الفترة الماضية كان له فضل كبير في تدعيم وتصليب موقفي البلدين العربيين وتمكينهما من التمسك بكل حقوقهما وكل أراضيهما المحتلة. وتأتي زيارة فاروق الشرع وزير الخارجية السوري إلى بيروت فور عودته من مباحثاته مع الاسرائيليين في واشنطن, ثم التقائه مع كبار المسئولين اللبنانيين لتدعم هذا التوجه في وقت كادت الشكوك ان تتسرب فيه لبعض النفوس والمراقبين حول احتمالات تخلخل الموقف الصلب المشترك السوري ـ اللبناني. ومع ذلك فإن الفترة الراهنة أولى من سواها للتنبه إلى كل ما يمكن ان يهدد هذه العملية النبيلة والتي تعتبر من أبرز الصور المشرقة في التاريخ العربي المعاصر, وذلك لأن اسرائيل وحلفاءها الكبار يعرفون جيدا الأهمية الاستراتيجية للتنسيق السوري واللبناني, وهم سيسعون بكل السبل لنسفه أو تحجيم آثاره ليتمكنوا من فرض معادلات جديدة تحقق لإسرائيل مالا تستطيعه ضمن المعطيات الراهنة. وتتأكد صحة هذا التوجس المشروع من التوقف عند القضية الثانية التي لا تقل خطورة عن سابقتها, وهي تلك القائمة من الطلبات التي رفعتها اسرائيل إلى واشنطن كثمن لتسوية لا كاسب فيها في الواقع أكثر من إسرائيل نفسها. ان هذه القائمة تضم أسلحة وتجهيزات وخدمات عسكرية بمالا يقل عن 30 مليار دولار, ما يعني ان اسرائيل تخطط لمرحلة جديدة من الصراع تحت دعاوى الاستعداد للسلام وضمان الأمن, هذا فضلا عن طلبات مالية واقتصادية تتجاوز 25 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وتعويضات للمستوطنين!! الأرقام مذهلة ومخيفة, وهي تنم عن نوايا للسيطرة على المنطقة بالحرب أو بالتخويف والابتزاز استنادا إلى موازين قوى عسكرية واقتصادية وسياسية شديدة الاختلال لصالح إسرائيل. انتبهوا أيها العرب, فالقادم صعب ولا يسمح بالاسترخاء والركون إلى أوهام سلام قد لا يشكل أكثر من هدنة أو آلية جديدة للتبعية والإلحاق.