رغم اختلافي الكبير مع ما يطرحه الكاتب عبدالحميد احمد في زاويته (مع الناس) الا انني احرص بدء صباحي بقراءتها. فالكاتب ايد في العدد 7102 بتاريخ 28/11/99 اقتراح ممن وصفه بقارىء غير عادي يريد تخصيص احدى حارات شارع دبي ـ الشارقة للمواطنين فقط, وذهب الكاتب الى ابعد من ذلك عندما اقترح على القارىء غير العادي ان يطالب بمرافق خاصة تقتصر على المواطنين دون غيرهم من جنسيات اخرى! ولانني لا اغفل عما يتمتع به الاستاذ عبدالحميد احمد من اسلوب تهكمي وساخر في طرح مواضيعه, الا انني تمنيت ان يوضح لنا في حال تطبيق مقترحاته ماهي الجنسيات العاملة في تلك المرافق المزمع انشاؤها لكي لايرى المواطن الا المواطن, فهل سنجد في سوق الخضار مطاردة شرسة من قبل احد المواطنين وهو يحمل على رأسه صندوقا ويلح على اخيه المواطن المشتري بحمل مشترياته مقابل دراهم معدودات؟! ام هل سنرى مواطنا يغسل سيارة مواطن اخر ويمني نفسه بالاستمتاع بسماع سيمفونية الدراهم التي سيعزفها المواطن الاخر كبقشيش له..؟! وعلى اية حال فهذه الصور آتية لا محالة سواء خططنا لها او تمت رغما عن انوفنا, فقد اثبتت التجارب الانسانية ان الحياة منقلة تبدأ من زاوية الصفر مرورا بالزاوية الحادة التي تشهد ميلاد اي مشروع حتى تصل الى الزاوية القائمة وتستقر الامور لفترة ثم تعود حتى تصل الزاوية الصفر مرة اخرى. اما فيما يتعلق باتهام البعض لدول الخليج العربية بممارسة اعمال الرق والتفرقة العنصرية على نحو ما كان في جنوب افريقيا, فان هذه المقولات لاتصدر الا من اناس لايفقهون شيئا عن الخليج وابنائه ويتوهمون ان الخليج ماهو الا براميل نفط يحرسها اناس يركبون الجمال وبيدهم سياط كأذناب البقر يضربون بها كل شخص تطأ قدماه ارضها. فهناك قائمة اتهامات طويلة توجه لابناء الخليج لا لذنب اقترفوه سوى وجودهم في هذه المنطقة التي حباها الله بالخير, معوضا لهم عن معاناتهم في الماضي بينما الاخرون يتمتعون بكل مالذ وطاب, ورغم هذا لم ينس الخليجيون اخوانهم العرب وأصدقاءهم من الدول الاخرى, ففي حرب 1973 استخدم قائد اتحاد الامارات ودولته لم تبلغ السنتين ثروة بلاده لصالح العرب واعلن بأن البترول العربي ليس اغلى من الدم العربي ومواقف الخليجيين هذه ليست منة ولكنها احساس بمسئولياتهم القومية والانسانية. واحد بنود الاتهامات يقول إن الخليجيين يسيئون معاملة خدم المنازل وهنا اقول وبأسف ان كنا نحن الخليجيين لا نركز كثيرا على اهمية التخصص في المجالات الوظيفية في مؤسساتنا الحكومية فاننا احرص الناس على ضرورة وجود التخصص في الاعمال المنوطة بخدم المنازل, فهناك الخادمات المتفرغات بمتابعة الاعمال المنزلية التي تنجزها الآلات الالكترونية والكهربائية, واخريات مسئولات عن الاعتناء بالاطفال, الى جانب الطاهيات اللواتي يجدن طبخ جميع اصناف المأكولات التي لا يلتهمها الا خدم المنازل انفسهم, وذلك لاصابة رب الاسرة بأمراض السكري والضغط والكولسترول واتباع زوجته لخطة ريجيم تمكنها من المحافظة على رشاقتها, وهذا كله يجعل الخدم عندنا يعيشون في بحبوحة من العيش يحسدهم عليها الخدم في الدول الاخرى اولئك الذين يقومون بجميع تلك المهام وبأجر بسيط واضطهاد من بني جلدتهم. حتى الاخوة العرب وجهوا اتهاما لنا بأننا رجحنا كفة العمالة الاسيوية على العربية! والخليجيون بريئون من هذه التهمة ايضا براءة الذئب من دم يوسف, فالكفيل الخليجي او كما تطلق عليه صحافتنا (الكفيل النائم) يرضى بفتات الموائد ويكتفي بمبلغ سنوي يدفعه المستثمر له نظير كفالته, شأنه في ذلك شأن قيمة ايجار المحل والمواد الاولية واجور العمال, وبهذا يفقد الكفيل اي سلطة على المحل الذي يديره المستثمر ولايستطيع تحديد جنسية العمالة او اجور العمال ويصبح العقد صوريا يستفيد منه المستثمر الوافد ومنهم العرب الذين يفضلون العمالة الاسيوية على ابناء وطنهم ولاسباب يعرفها التاجر العربي اكثر منا. ويتهجم البعض علينا بالقول ان العمال في دول الخليج يعيشون في ظروف معيشية صعبة وانهم يحصلون على اجور بسيطة ونعود لنقول مرة اخرى ان تحديد الاجور في معظمه يخضع لتقدير المستثمر الوافد, كما ان الاجور شأنها شأن السلع تخضع لظروف العرض والطلب. وعلى الاخوة العمال في الخليج ان يقارنوا ما يأخذونه من رواتب في دول الخليج بما كانوا سيحصلون عليه في دولهم, وان يبتعدوا عن مقارنة ما يأخذونه مع ما يأخذه المواطن المكلف بالتعايش مع جميع الظروف ومواجهة كافة الازمات ولو تبخرت ثروات الخليج كلها, حيث لن تكون هناك دولة مسئولة عن اعالته وتفضيله على مواطنيها, فالاولوية المشروعة في اي دولة في العالم للمواطن. وخير دليل على ذلك ما انكشف في حرب الخليج الثانية عندما غادرت العمالة الوافدة الكويت دون طلب من السلطات الكويتية المغيبة في تلك الفترة اوالنظام العراقي, ولم يتمن احد ان يعود للكويت الا الكويتيون انفسهم. ويدعي البعض ان العمال يعيشون ظروفا صعبة حيث يقيم في الغرفة الواحدة عشرة اشخاص, ولهم نقول ان هؤلاء العمال يقبلون بهذا الوضع بمحض ارادتهم وذلك ليضمنوا ادخار اكبر قدر من المبالغ النقدية, وعلى الجميع ان يعلم بأن هناك اسرا في الخليج يعيش سبعة او عشرة من افرادها في غرفة واحدة, وليس من العجب ان تطالعنا الصحف بين الفينة والاخرى بأخبار تتعلق بسقوط اسقف منازل مواطنين خليجيين على رؤوسهم. اما ما يطرحه البعض في شأن تجنيس العمالة فاننا نقول ان اهم مقومات الجنسية في اي دولة هو الولاء ولايخفى على احد حالة عدم الاستقرار التي تعيشها دول الخليج والتي تحتم عدم البت في مسألة الجنسية الا بعد انقشاع السحب التي تحجب وضوح الصورة لمستقبل العلاقات الخليجية الاقليمية, فدول الخليج وعلى مدار عقدين من الزمن لم تذق طعم الاستقرار والامن, كما اننا حتى وان لم نكن طرفا في اي صراع اقليمي, فاننا لا نأمن من جرنا قسرا, فدولة الامارات وهي التي لاناقة لها ولا جمل في حرب الخليج الاولى ضرب حقلاها مبارك وابو البخوس, ولولا حكمة رئيس الدولة في ضبط النفس لتطورت الامور الى ابعد مما يريده المتربصون بالخليج. واخيرا اقول ان كل ما طرحته ليس ضد العمالة الوافدة التي نحن فرضناها على انفسنا ولم يفرضها احد علينا ولكن محاولة لكشف بعض الحقائق ودحض الافتراءات, ومشاركة للكاتب عبدالحميد احمد في همومه الوطنية والقومية.. مع تأكيدي ان الحديث عن التركيبة السكانية والعمالة الوافدة سيبقى مالم نغير سياستنا الاقتصادية من اقتصاد ترفيهي يعتمد على اكبر قدر من العمالة, الى اقتصاد انتاجي يعتمد على الآلة ويقلص الفارق بين المواطن الخليجي وغيره من العمالة الوافدة التي نكن لها كل تقدير واحترام نظير ما قدمته لنا.