يعد فشل مؤتمر سياتل الذي عقدته منظمة التجارة العالمية (W.T.O) في مدينة سياتل بالولايات المتحدة اوائل الشهر الحالي وحضره ممثلون لـ(135) دولة هم اعضاء المنظمة, بدأ المحللون الاقتصاديون والسياسيون في تحديد اسباب الفشل والآفاق المستقبلية لمنظمة التجارة العالمية والتي بدأت كفكرة منذ القرن الخامس عشر قبل ان تنطلق فعلياً في جولة (أوروجواي) عام 1935 ليعلن عن ميلادها رسمياً في مدينة عربية هي مراكش (المغرب) في ابريل 1994م. واذا عبر البعض عن فشل المؤتمرالثالث لوزراء المنظمة التجارية هذه, واذا رأى البعض بأنها ضربة قاضية للعولمة, فإنني ارى ان هناك نجاحاً حققته المنظمة وذلك بانضمام الصين كعضو فيها وهذا ما سعت اليه الولايات المتحدة في سباق السيطرة والهيمنة الامريكية والحد والتصدي لتوسيع السيطرة الاوروبية من خلال جعل السوق الصينية الضخمة سوقاً مفتوحة امام كافة البلدان. واذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها وتمرير مشاريعها بدوافع اقتصادية وتحقيق مكاسب سياسية, فإن جولة سياتل لم تنته بعد فهي على موعد مع مرحلة اخرى في يناير المقبل, والدول الصناعية الكبرى تدرك ما تريد من هذه المنظمة التي تعتبرها خطوة او حلقة وسطى بين الخصخصة والعولمة, وهي الحلقات الثلاث التي سوف تحكم من خلالها الدول الصناعية قبضتها على العالم اذا لم تتمكن دول العالم الاخرى ولا سيما العالم الثالث من تحديد قراءة صحيحة ودقيقة لابعاد مراحل السيطرة الثلاث (الخصخصة, منظمة التجارة العالمية, العولمة). وهنا يأتي طرح تساؤلات على عالمنا الثالث ومنه عالمنا العربي كجزء من هذا العالم, عن ماهية موقف الدول النامية والدول العربية من هذا الفشل؟ اين موقع العرب من الحوار الاقتصادي التجاري القائم والذي يتم تحت مظلة هذه المنظمة؟ ماذا يريد العرب, أو ماذا ينتظر العرب من منظمة التجارة؟ كيف يرون قدرتهم التنافسية في سوق المنظمة الجديدة؟ ما هي امكانيات العرب التفاوضية في هذه المنظمة؟ لماذا الهرولة والتسارع نحو الانضمام الى هذه المنظمة دون صيغة اتفاق عربي تؤكد قدرتهم على التفاوض وبالتالي تحقيق مكاسب استراتيجية؟ ما هي آليات العرب وآفاق تفكيرهم في ظل معطيات العولمة القادمة؟ هل انضمام العرب او بعض الدول العربية لهذه المنظمة طواعية ووفق أهداف ام مجبرة ووفق شروط المنظمة القاسية وغير العادلة؟!! (حوار الطرف الواحد) ان معطيات العقود الطويلة الماضية تؤكد على حقيقة الحوار بين دول العالم الصناعي ودول العالم النامي الفقير والذي تنتمي اليه دولنا العربية, حيث كان الحوار وما زال يسير وفق وتيرة تحقق مصالح استراتيجية للدول الصناعية الاستعمارية فيما ظلت الدول العربية والعالم الثالث اسيرة لضغوط واستغفال العالم الصناعي لها رغم ما تملكه هذه الدول من ثروات طبيعية كانت نهباً من قبل الدول الصناعية, فيما لم تكن هذه الاخيرة مراعية ابداً لمصالح وحقوق شعوب عالم الجنوب (العالم الثالث) ولم يكن الحوار حواراً متزناً او منطقياً, واللغة المستخدمة في هذا الحوار تحمل مفرداتها الكثير من الاستهجان والاستغلالية لشعوب العالم الثالث, حيث استباحت خيرات هذه الشعوب واعطت لنفسها حق نهب حقوقهم المادية والمعنوية الانسانية. ولم يكن هذا الجنوب ليصبح فقيراً الا بسبب السياسة الاستعمارية تلك والتي استمرت لعقود طويلة من الزمن, استند في تنفيذها على أصنام زرعها وخلدها الاستعمار وارغم الشعوب على عبادتها وتأليهها فيما قامت تلك الاصنام بزراعة كل اسباب التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي, رغم كل الخبرات والثروات التي تختزنها اراضي العالم الثالث (عالم الجنوب). لذا فإنه من الخطأ الاعتقاد ان الاستعمار الغربي قد خرج من ديار عالم الجنوب, فما زال خالداً في اراضي العالم هذا, وذلك بعدما غير ثوبه العسكري, وغير اصنامه وارتدى ثوباً اكثر نعومة وقابلية لعالم يعاني من شدة التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي, وما منظمة التجارة العالمية هذه سوى الثوب الذي ارتدته الدول الاستعمارية لتمارس من خلاله اشكال الاستغلال ضد شعوب العالم الثالث. واذا كان الاستعمار العسكري قد جاء على هيئة دول مختلفة في أساليبها وأهدافها ولغتها, فإن الاستعمار العسكري قد جاء بشكل جماعي وبلغة واحدة وأهداف محددة من خلال منظمات او تنظيمات او شركات عملاقة كما سوف يحدث في ظل مرحلة العولمة الاقتصادية. واذا ظهر للعيان خلاف الدول الصانعة لمنظمة التجارة العالمية في مؤتمر سياتل فلا يعني ذلك ابداً التنازل عن استراتيجيات طويلة المدى تؤكد من خلالها سيطرتها وهيمنتها التي سوف تكون على هيئة اعصار جارف يحصد اليابس والاخضر ويلغي الوجود الانساني في عالمنا الثالث ويسحق حقوق الانسان في الجنوب وهذا الاختلاف المؤقت في اجتماع ديسمبر سوف يتحول الى ائتلاف في اجتماع قادم للمنظمة سيعقد في يناير المقبل. ان ذلك يحدث في ظل حوار الشمال والجنوب الذي يتم في ظل تغييب المنطقة والمنهجية, والذي يلغي اية اعتبارات انسانية ولعل المظاهرات والاحتجاجات التي ظهرت في سياتل عشية الاجتماع واستمرت لمدى ثلاثة ايام وشارك فيها خمسون ألف متظاهر, لهو خير دليل على انتهاك هذه المنظمة لحقوق الانسان, حيث رفع المتظاهرون شعارات تحسين مستوى المعيشة لشعوب الدول المشاركة وضرورة المحافظة على البيئة وعلى حقوق الانسان. فإذا كانت المظاهرات قد عكست مدى سلبية موقف شرائح المجتمع الامريكي نفسه من هذه المنظمة الاستعمارية الحديثة, فإن الساسة انفسهم قد اقروا واعترفوا بمدى فداحة الجريمة التي ترتكبها هذه المنظمة في حق شعوب العالم الثالث, من خلال مواقفهم التي اعلنوها فالرئيس الامريكي بيل كلينتون قد اعلن عن تعهده بفتح الاسواق الامريكية امام منتجات البلدان الاكثر فقراً ومساعدتها على ان تندمج بشكل افضل في نظام التجارة العالمية!! فيما طالب بمساعدة الدول الاكثر فقراً على اقامة مؤسسات تسمح بتنمية تجارتها واحترام التزاماتها بصفتها اعضاء في منظمة التجارة العالمية كما اعترف قائلاً:( اعتقد اننا لم نول بعد جولة اوروجواي عندما أنشأنا منظمة التجارة العالمية اهتماماً كافياً لقدرة البلدان النامية كي تلعب دوراً حقيقياً في الاقتصاد العالمي, واريد تصحيح هذا الخطأ) ! كما اقر بأن المعارضة الشعبية في العالم سببها ان حجم استفادة الدول النامية من هذا النظام اقل بكثير مما هو مطلوب, ولا يقارن بمستوى استفادة الدول المتقدمة من نفس النظام!! واذا كانت اعترافات كلينتون تلك فإن المستشار الالماني جيرهارد شرويدر قد اكد على مدى تفهمه للاحتجاجات ضد مؤتمر منظمة التجارة العالمية, معبراً عن رفضه لاتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة مشيراً الى ان هناك جوانب غير سارة للعولمة وطالب بضرورة انتهاج المنظمة السياسية من شأنها ان تقلص من الاثار السلبية للعولمة! أما الأمم المتحدة فقد اكدت ومن خلال تقريرها في هذا الشأن على حقائق مذهلة عن العالم, مشيرة الى التباين الواضح والشاسع بين شعوب تنعم بأعلى الدخول في العالم تنتمي لدول الشمال, فيما 80 دولة في العالم يسجل فيها الدخل الحقيقي للفرد تراجعاً كبيراً خلال العقود الثلاثة الاخيرة, وان 3.1 مليار انسان ينتمون الى عالم الجنوب يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم اي 7.3 دراهم تقريباً, فيما أهل الشمال وهم خمس سكان العالم يستأثرون بخيرات العالم وينعمون بثرواته!! ماذا يريد العرب؟ اذا كانت هذه وضعية المنظمة واذا كانت هذه اعترافات الفاعلين فيها واذا اقر الغرب أو اهل الشمال بحقيقة التباين بين الأغنياء (أهل الشمال) والفقراء (أهل الجنوب) والذين ينتمي لهم العرب, فلماذا هذا التهافت او الهرولة من قبل العرب نحو الانضمام الى هذه المنظمة, فيما المشاريع العربية المماثلة والتي من خلالها يمكن للعرب ان يستعيدوا مكانتهم وقوتهم وفاعليتهم في الساحة العالمية ويصبحون اهلاً للقرار, ويستعيدون مجدهم وتحفظ ثروتهم وتحقق تنمية بلدانهم واستقرار شعوبهم تصبح هذه المشاريع معطلة ومجمدة!! ماذا حققت الدول العربية التي انضمت الى هذه المنظمة وماذا تنتظر أن تحققه؟ ماذا حققت الدول الخليجية وهي السباقة الى الالتحاق والحصول على عضوية المنظمة؟ بماذا سوف تدخل الدول الخليجية مضمار المنافسة الدولية وتحت مظلة الاتفاقية, بعدما استبعد البترول والمواد البتروكيماوية من قوائمها؟ فماذا تظن هذه الدول ان تفعله في سوق المنافسة وقد جردت من قدرتها التنافسية!! ولماذا لا تقوم دول المجلس بالتنسيق في اطار مجلس التعاون كي تكون قدرتها التفاوضية اكبر, وتتمكن من الحصول على مكاسب ولو محدودة؟ لماذا انفردت المنظمة بدول المجلس وفاوضتها كل على حدة؟ اليس ذلك يدعو الى الاستغراب!! ماذا سوف تجني شعوب مجلس التعاون من انضمام دول المجلس بهذه الوضعية الى المنظمة؟ ان العرب دائماً لا يناقشون الظواهر الاقتصادية والمستجدات العالمية الا بعدما ينفض المولد! ففي الوقت نفسه الذي يجتمع ممثلو 135 دولة في سياتل يعقد العرب مؤتمراتهم في كل من بيروت والقاهرة فالاول والذي عقد في بيروت ونظمه المجلس الثقافي للبنان الجنوب والذي شارك فيه عدد من الباحثين والمفكرين العرب, طرح المؤتمر اشكاليات الفكر المعاصر في ضوء الهيمنة على القرار العالمي وخضوع الجميع لمفهوم العولمة, والمؤتمر الثاني والذي عقد في القاهرة وفي الوقت نفسه قد كان حول دور الاسواق والمؤسسات المالية والمصرفية في ترويج الاستثمار وقد نظمته الاكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية واستمر لمدة ثلاثة ايام لكي ينتهي الى توصيات تؤكد على ضرورة تسريع الاستعدادات العربية لمواجهة تحديات العولمة ومتابعة المستجدات والتطورات على الصعيد الدولي, لتحديد مخاطر العولمة ومشكلاتها والعمل المتواصل على معالجتها والاستفادة من ايجابياتها. لقد كشفت المؤتمرات العديدة التي ناقشت العديد من الظواهر الاقتصادية بأنها دائماً تأتي متأخرة وبعد مضي عقود طويلة من الزمن تصبح حينها تلك الظواهر حقيقة ماثلة وممارسات وسلوكيات وفرضيات فمنظمة التجارة العالمية قد بدأ التفكير بها منذ القرن الخامس عشر, وتبلورت الفكرة في منتصف الثلاثينيات عندما اطلق عليها منظمة (الجات) في جولة (اوروجواي) حتى يعلن عن ميلادها وبدء تنفيذ شروطها في مؤتمر مراكش الذي عقد بالمغرب في ابريل 1994 وليصبح اسمها منظمة التجارة العالمية (W.T.O). وها هي الآن هذه المنظمة تشكل استحقاقاً خطيراً يواجه العرب والعالم الثالث بحكوماته وشعوبه المسلوبة لارادتها وفكرها, ولتؤكد المؤتمرات العربية مدى فشل وعجز الفكر الاقتصادي العربي عن مواكبة التطورات الفكرية والاقتصادية, وليؤكد مدى ضعف او غياب القراءة الصحيحة والدقيقة للمتغيرات الاقتصادية وللظواهر الاقتصادية ومنها بالطبع منظمة التجارة العالمية بأهدافها وسياستها وآلياتها حيث تأكد ومن خلال مؤتمر سياتل الوجه القبيح لهذه المنظمة والذي جسد الرأسمالية الجديدة التي تعتمد القهر الاقتصادي خلال آلياتها وادواتها الحديثة اسلوباً للوصول الى اخضاع دول العالم الثالث (الجنوب) لشروط تبادل تجاري ظالمة, ولا تراعى فيها ابسط الاعتبارات الانسانية, فيما جعلت دول الشمال المركز والأصل ودول الجنوب جميعها اطرافاً وذيولاً ومن خلالها استطاعت دول الشمال (الصناعية) ان تمارس اسلحتها وآليات تدميرها للانسان والبيئة في عالمنا الثالث وعالمنا العربي, بعدما أصبحت تلك الاسلحة والآليات اقتصادية لا عسكرية, تخضعنا نحن العرب ومن سوانا في عالم الجنوب للاستسلام والتسليم. ولعل سياسة الولايات المتحدة التي تمليها على الشركات في حال تعاملها مع الدول التي فرضت عليها امريكا حصاراً غير مشروع كالعراق وايران وغيرها, لهو دليل قاطع على مدى حقد الولايات المتحدة ـ قائدة الرأسمالية ـ ضد شعوب العالم الثالث على الرغم من كل ادعاءات الرئيس الأمريكي في كلمته بالمؤتمر ولجموع الصحفيين والاعلاميين فيما يتعلق بسياسة المنظمة تجاه الفقراء أو لدول العالم الثالث, والتي لا يقصد منها سوى حرب تجارية ضد مجموعة الدول الاوروبية التي تقدم حكوماتها دعومات للمزارعين, مشيرا الى ان ذلك يضر بالتجارة العالمية!! المواجهة مع المواقع دون شك فإن التجارة العالمية اضحت واقعا عالميا يجب التعامل معه, لأنها ما هي الا خطوة اخيرة نحو العولمة, وذلك بهدف الحصول على مكاسب فعلية تحقق الاستقرار والتنمية للشعوب العربية من خليجها الى محيطها, ويتم ذلك من خلال الاستفادة من الخلافات العميقة بين مجموعة الدول الاوروبية (الاتحاد الاوروبي) من ناحية والولايات المتحدة الامريكية, والسبيل الى ذلك يتحقق من خلال المسارين التاليين: المسار الأول: تفعيل المشاريع الاقتصادية المعطلة, في ظل رؤية دقيقة واستراتيجية مشتركة واجراءات عاجلة, وترميم للساحة الاقتصادية العربية, وذلك من منطلق ان وحدتنا الحقيقية من خلال هذه المشاريع المشتركة, فهناك السوق العربية المشتركة التي جاء ميلادها مع تكوين جامعة الدول العربية في عام 1945, ثم تفعيل مشروع التجارة البينية العربية برعاية صندوق النقد العربي, لتصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العربي, ولتفعيل حركة السلع والخدمات بين الدول العربية وفتح الاسواق العربية امام المنتجات والأيدي العاملة العربية وحركة الاستثمار العربي, وفق صيغة محكمة تضمن حقوق الاطراف وتشارك فيها صناديق التنمية والاستثمار العربية, وضرورة ان يتم ذلك وفق مناخ اقتصادي وسياسي يؤمن تنفيذ هذه المشاريع ويضمن نجاحها, وكذلك ضرورة وجود رقابة دقيقة, ومركز استراتيجي للمعلومات يتصف بالشفافية والدقة والموضوعية ويوفر معلومات اقتصادية واستثمارية وتجارية, ثم نأتي الى تحرير الخدمات المالية والمصرفية وفتح الاسواق المالية والمحافظ الاستثمارية لرؤوس الاموال العربية المغتربة لضخها في الاقتصاد. وفي هذا الشأن العمل على ايجاد صيغة باسم منظمة التجارة العربية, وفق شروط وأهداف وآليات محددة وواضحة. المسار الثاني: التعامل بمزيد من الثقة في مدى توفر الامكانات البشرية والاقتصادية في وطننا العربي الذي يحتضن ثلثي الاحتياطات النفطية في العالم, والذي يشكل شريانا حقيقيا لمصانع الغرب والشرق, كما تتوفر مساحات زراعية شاسعة تضمن تحقيق الاستقرار والأمن الغذائي وفرص العمل وقيام صناعات كبيرة. وبهذه الامكانات وبمزيد من الثقة نستطيع التعامل مع منظمة التجارة العالمية ونستطيع ان نشكل ثقلا حقيقيا فيها, بل وحتى تغيير قناعات دول الشمال الاعضاء في المنظمة, لا سيما وان لدينا ذراعا قويا من خلال تعاملنا مع مجموعة الدول الآسيوية, وكذلك نستطيع ان نواجه متطلبات العولمة والعولمة الاقتصادية ونحن اكثر ثقة في قدراتنا وقدراتنا الاقتصادية, لنضمن وجودا فعليا في الساحة العالمية ونصنع مستقبلا واعدا لشعوبنا العربية, وما كان للمنظمة ان تختار مراكش في المغرب ليعلن فيها ميلاد المنظمة الا لكون المنطقة العربية بامكاناتها تشكل حجر الزاوية في تحقيق اهداف المنظمة, كما انه لابد وان نستفيد من الصراعات والخلافات القائمة حاليا أو التي قد تحدث مستقبلا بين التكتلات الاقتصادية (أمريكا اللاتينية ـ أوروبا الغربية ـ الاتحاد الأوروبي ـ أو الولايات المتحدة أو مجموعة الدول الآسيوية) ويتم ذلك من خلال منظومة أو تكتل اقتصادي عربي فاعل ومؤثر, يمكننا من الدخول الى الألفية الثالثة ونحن أكثر ثقة وقناعة بقدراتنا وامكاناتنا بعد تصحيح مساراتنا وتنمية فكرنا الاقتصادي نحو التنمية والعمل المشترك. وهنا لابد من الاشارة الى ان الولايات المتحدة والتي ألقت بكل ثقلها لتحقيق أهدافها بفتح أسواق كبيرة أمام منتجاتها ولا سيما الزراعية أو المعالجة وراثيا, ومطالبتها للدول الأوروبية بتخفيض الدعم ا لمقدم للمزارعين, كانت تعمل من أجل تنشيط الميزان التجاري الأمريكي الذي يعاني من عجز كبير خاصة في ظل ارتفاع الدولار, وانعكاس ذلك في تكلفة الصادرات الأمريكية من المنتجات الزراعية مقابل وفرة الانتاج الزراعي للدول الاجنبية, الا انه وبالرغم من كل ذلك وبالرغم من حضور الرئيس الأمريكي شخصيا لتحقيق ذلك, لم تحقق الولايات المتحدة اهدافها بسبب الخلاف العميق بينها وبين مجموعة الدول الأوروبية. وهذا يؤكد ان الولايات المتحدة التي تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة, سواء البطالة أو العجز في ميزانها التجاري, او موازنتها الاتحادية, انها وان كانت قطبا اقتصاديا كبيرا ولاعبا هاما في السباق الاقتصادي هذا, فإنها ليست الوحيدة وان هناك مجموعة من الدول أو التكتلات تستطيع الحد من هيمنتها الاقتصادية على دول العالم, فيما اذا تعارضت مصالحها معها وفيما اذا كان لها ثقل اقتصادي, وبالتالي تستطيع الدول العربية من خلال ثقلها الاقتصادي في حال تكتلها ان تحقق اهدافها وتحد من الهيمنة الامريكية على المنطقة العربية. ان الدول الآسيوية التي اطلق عليها (النمور الصفر) حينما توفرت لديها الارادة والقدرة, استطاعت ان تشكل ثقلا اقتصاديا كبيرا رغم الأزمة التي تمر فيها حاليا والتي بدأت فيها بوادر الانحسار, وهذا دليل على قدرة دول العالم الثالث (الجنوب) على ان تشكل حضورا وتحديا من هيمنة الشمال على الجنوب. وعلى الدول العربية ان تنسق فيما بينها وهي داخلة الى جولة اخرى من المنتظر ان تعقد في يناير المقبل, وذلك بالحضور الفعلي والحقيقي من خلال جلسات المؤتمر من دون ان تقبل التهميش لدورها, وألا تقتصر مشاركتها على متابعة احداث المؤتمر وقراءة التوصيات وإقرارها خلال جلسات الاستراحات, حيث اكتفوا بشرب القهوة والشاي كما حدث في هذا المؤتمر, فيما يرسم أهل الشمال مصير شعوب العالم بأسره ويلغون دولا ويهمشون شعوبا ويسيطرون على العالم من خلال اقتسامهم لثرواته مستخدمين أدواتهم وآلياتهم ومعداتهم الاقتصادية هذه المرة في الفتك بشعوب العالم الثالث. وعلى العرب ودول العالم الثالث ألا يقبلوا بالتهميش الذي حدث في المؤتمر الثالث للمنظمة أو الاستسلام لجبروت الدول العظمى والفاعلة في المنظمة بإرغام وفود دول العالم الثالث بقبول أو الموافقة على التوصيات النهائية للمؤتمر, بعد استبعادهم من حضور المباحثات التي نوقشت فيها المواضيع المهمة غير عابئة بأن وفود الدول النامية البالغ عددهم (130 وزيرا) يمثلون الغالبية العظمى من شعوب العالم. * كاتب وباحث من الامارات