جميع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية معطلة منذ اتفاق اوسلو سبتمبر 1993 حتى يومنا وبالرغم من كل الجهود التي بذلت من قبل اطراف رئيسية في الخارطة السياسية الفلسطينية وكان ذلك ثمنا مباشرا لمقايضة اوسلو بوقف الانتفاضة وتعطيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية , وعلى مدى ست سنوات عملنا من اجل اعادة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية, حتى يصبح ممكنا تفعيلها لكن عملية البناء تتطلب بالضرورة اجراء حوار وطني فلسطيني شامل ينتج (برنامج قواسم مشتركة سياسيا جديدا) , وعلى اساس هذا البرنامج تتم اعادة مؤسسات المنظمة الا ان مبادرتنا وجهودنا في فبراير 1997 ومايو 1998 اصطدمت بعوامل تعطيلية ضاغطة من اوساط في السلطة الفلسطينية ومن فتح, لها مجموعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والمعنوية التي تتناقض مع ضرورات اعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية, وتدفع بذوى تلك المصالح لتعميق التناقضات في الصف الفلسطيني حتى تنمو مصالحها وتنتقل من مرحلة السمك الكبير (الهوامير) الى مرحلة الحيتان ثم الغيلان الى ان نجحنا في تحقيق خطوات ملموسة في حوارات القاهرة (23 اغسطس 1999) ومع ذلك فهذه الخطوات بقيت اسيرة لسلوك اخر من طرف السلطة الفلسطينية التي لم تلتزم فعليا بما جاء بالبيان المشترك في حوارات القاهرة. وفي الجانب الآخر من المتراس, هناك جبهة من القوى التي ترفض من حيث المبدأ اي حوار, واي صيغة للوحدة الوطنية الفلسطينية الائتلافية ومنهم من اشتق هذه السياسة منذ الانشقاق الكبير في فتح والاقتتال بين الفصائل عندما اندلعت حرب المخيمات, والتي تواصلت في العامين 1986 و1987 هذه القوى التي اشير اليها واصلت سياستها المضادة لاعادة الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير, وهذه الجدران حجبت وعطلت امكانية حوار فلسطيني مبكر دعونا اليه بعد مدريد مباشرة وبعد ان تم كسر قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في سبتمبر 1991, ثم كسر قرارات المجلس المركزي الفلسطيني, قبل 12 يوما فقط من عقد مؤتمر مدريد ولاننا ننتهج سياسة وطنية توحيدية تقوم على اخضاع جميع التعارضات في الصف الفلسطيني ـ الفلسطيني لصالح الهدف الرئيسي ضد العدو الصهيوني دعونا الى تصحيح هذا الخلل الاستراتيجي الذي وقع عشية مؤتمر مدريد, وبعده الى الحوار الفلسطيني الشامل, حوارات في عام 1997, في نابلس ورام الله وغزة وشاركت فيها جميع فصائل منظمة التحرير و(حماس) و(الجهاد) لكنها لم تتوصل الى نتائج ايجابية نظرا للاعتبارات التي ذكرتها, ثم انعقدت حوارات في العامين 1998 و1999 وعليه اصبح المناخ افضل نسبيا في اتجاه تنشيط الحوارات. واود ان اقول بلغة صريحة وواضحة ان تفعيل مؤسسات منظمة التحرير مرهون ومشروط بامكانية استكمال الوصول بالحوار الفلسطيني الشامل الى برنامج قواسم مشترك جديد مبني على قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية والقمم العربية والشرعية الدولية يستوعب كل التطورات التي حدثت بالعشرية التسعينية, ومن دون حوار شامل حقيقي ستبقى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية اما معطلة او عرجاء, وكان اول اجتماع للمجلس المركزي لمنظمة التحرير في ابريل 1999 لبحث ما بعد انتهاء اتفاقات اوسلو الظالمة التي وصلت الى سقفها القانوني في 1999/5/4. وكنا اتفقنا مع عرفات وجميع الفصائل على ان يعلن المجلس المركزي في دورته الاخيرة التي عقدها في قطاع غزة (ابريل 1999) عن انتهاء الفترة الانتقالية الاوسلوية رسميا بعد ان انتهت قانونيا وان تعلن الدولة الفلسطينية على حدود دولة فلسطين في 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس, وعليه تم توجيه الدعوة الى (حماس) التي شاركت في المجلس المركزي, لكن رسالة كلينتون قبل 24 ساعة من انعقاد المجلس المركزي عطلت ذلك. تعرضت المنظمة منذ تلك اللحظة (ابريل 1999) لضغوطات من اطراف في السلطة ليس لها مصلحة في الوحدة الوطنية, ومن الجانب الآخر من المتراس حيث الرفض العبثي العدمي الذي لايقدم برامج ملموسة ويكتفي بالشعارات العامة, وهروبا من برنامج القاسم المشترك وتحت دعاوى ممارسة الكفاح المسلح والتمسك اللفظي بالميثاق الوطني. ان منظمة التحرير اقرت باجماع المجلس الوطني الفلسطيني في يونيو 1974 برنامجا وطنيا جديدا عنوانه (البرنامج الوطني المرحلي) وعارضه آنذاك شخصان فقط هما الشاعر يوسف الخطيب من الصاعقة وناجي علوش من (فتح) بينما صادقت عليه جميع فصائل منظمة التحرير والاتحادات النقابية والمهنية في المجلس الوطني, وهذا البرنامج يدعو الى تسوية شاملة بين شعبنا والدولة العبرية تقوم على اساس الشرعية الدولية بموجب قراري مجلس الامن 242 و338 والقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين, اي دولة فلسطينية بحدود 4 يونيو 1967, عاصمتها مدينة القدس وحق تقرير المصير لشعبنا وعودة اللاجئين مقابل السلام الشامل, بمعنى آخر الموافقة على التسوية السياسية الشاملة مع الدولة العبرية هذا البرنامج يشير الى ان الميثاق الفلسطيني الذي تم وضعه في عام 1964, ليس مقدسا بل جرى تعديله اكثر من مرة, ونحن في الجبهة الديمقراطية نميز دائما بين ضرورات التعديل التي تميلها العملية النضالية والقومية في الدفاع عن حقوق شعبنا ومن اجل انجازها وبين الضغوطات الاملائية الصهيونية والاستعمارية الامريكية فقد جرى اول تعديل للميثاق في عام 1968, وباصرار من منظمة فتح آنذاك وباتجاه اكسابه نزعة متطرفة عندما اصرت فتح على التعديل باضافة بند يقول (ان الكفاح المسلح هو الشكل الوحيد للنضال الفلسطيني) وهذا كنا قد رفضناه في الجبهة الديمقراطية لان كل ثورات التحرر الوطني في العالم تجمع بين كل اشكال النضال, يبرز هذا الشكل او ذاك او يكون هو الرئيسي بحكم طبيعة كل مرحلة من مراحل النضال, وجرى تعديل الميثاق بالبرنامج العملي المرحلي في عام 1974 وخرجت انذاك منظمة التحرير من عنق الزجاجة, والى الاعتراف العربي بها, والى اقرار حقوق شعبها للمرة الاولى في قمة الرباط وبعدها انفتحت علاقات منظمة التحرير والعالم وعبرنا الى الامم المتحدة. ان ما جرى ويجرى راهنا على المسار التفاوضي الفلسطيني ـ الاسرائيلي لاينسجم ابدا بل يتناقض بالكامل مع هذا البرنامج الذي يدعو الى مفاوضات شاملة, ولمرحلة واحدة من الالف الى الياء تقوم على ما تقتضيه قرارات الشرعية الدولية الضامنة لحق شعبنا بتقرير المصير والدولة المستقلة عاصمتها القدس, وعودة اللاجئين بينما الذي ذهب اليه عرفات في مدريد يتناقض مع هذا اذ ذهب بموجب ورقة الدعوة الامريكية التي قال عنها جيمس بيكر في مذكراته (الدبلوماسية بين الحرب والسلام) انه دفع عرفات الى شروط شامير التي تقدم بها في خطته في مايو 1989, اي اجراء مفاوضات على مرحلتين الاولى مرحلة الحكم الذاتي للسكان في الضفة والقطاع فقط دون القدس ودون اللاجئين في الشتات ودون اي سيادة على الارض ودون وقف الاستيطان واعتبار الارض الفلسطينية ارضا متنازعا عليها, لا اراضي محتلة ولمدة 5 سنوات, ويجب ان يكون التفاوض على الحكم الذاتي لسكان الضفة والقطاع ولا مكان على طاولة المفاوضات لقضية القدس او قضية اللاجئين. هذا الذي اختلفنا عليه فورا في صباح يوم 18 اكتوبر 1991, وعندما عقدنا اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير في تونس قبل 12 يوما من مؤتمر مدريد, واكدنا في هذا الاجتماع على قرارات المجلس الوطني التي صدرت قبل ذلك باسبوعين والتي دعت الى مفاوضات مرحلة واحدة على اساس قرارات الشرعية الدولية ويتمثل فيها الشعب الفلسطيني في جميع اماكن وجوده باعتباره شعبا واحدا موحدا وليس مجموعة اقليات سكانية بعضها في القطاع والبعض في القدس والضفة الغربية, وآخر في هذا البلد العربي او الاجنبي او ذاك ولذلك اختلفنا منذ تلك اللحظة ودعونا الى تصحيح هذه العملية من جديد والى ان يكون حالنا مثل الاردن وسوريا ولبنان, وان نتفاوض لمرحلة واحدة على اساس 242 و338, 194 ورفض سياسة المفاوضات للحكم الذاتي لمدة خمس سنوات وبعدها تبدأ مفاوضات الوضع الدائم لان تلك السياسة مدمرة, فهي تقوم على ما اخترعه كيسنجر على الجبهتين المصرية والسورية في العام 1973, وتمت خطوة (فك الاشتباك) الاولى وواصل السادات الخطوة الثانية من فك الاشتباك فوجد نفسه غريقا بالتفاوض ثنائيا مع الدولة العبرية على اساس الحدود الانتدابية بين مصر وفلسطين, وبقيت اسرائيل في اراضي القطاع, مكرسة بذلك سياسة خطيرة جدا على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الاسرائيلي باعتبارها الوريث لفلسطين الانتدابية, حيث ثبتت اسرائيل هذه السياسة المدمرة في مدريد وبعدها في اوسلو عندما اعتبر اوسلو الارض الفلسطينية المحتلة ارضا متنازعا عليها, لا ارضا محتلة لان مفاوضات اوسلو لم تستند الى الشرعية الدولية وبخاصة القرارين 242 و338, اللذين لايجيزان الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة والقرار الخاص بالقدس 252 لعام 1967 والقرار 478 لعام 1980 الخاص ببطلان الاستيطان في الاراضي المحتلة. ان القيادة الفلسطينية الرسمية ذهبت الى اوسلو من دون اي تفويض من اي من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية فجميع المؤسسات: (المجلس الوطني, المجلس المركزي, القيادة الفلسطينية, واللجنة التنفيذية كلها كانت (مغيبة) عن المفاوضات السرية التي جرت بين استوكهولم واوسلو, وتمت ادارة هذه المفاوضات بين ثلاثة اعضاء فقط من مركزية فتح هم: ياسر عرفات, محمود عباس, واحمد قريع, ولم يعلم اي عضو رابع من مركزية فتح بها, كما كان الدكتور حيدر عبدالشافي وفريقه في واشنطن (الغائب الاكبر) عما يدور في هذه المفاوضات السرية الى ان تم التوقيع عليها بالاحرف الاولى في 1993/8/13, والاخ احمد قريع عندما قرأ خطابه كان يخطب ويبكي في وقت واحد لانه يعلم ماذا فعلت يداه, كذلك يقول بيريز في كتابه (معركة السلام) انهم كانوا اثناء حديثهم بالهاتف مع تونس يصرخون ويبكون لانهم يعرفون الخطأ الكبير والخلل الاستراتيجي الذي ارتكبوه بحق الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية وبحق قراراتنا في المجلس الوطني, وبحق قرارات القمم العربية وقرارات الامم المتحدة وضعوا انفسهم في عنق الزجاجة من جديد وليس بيدهم سوى 9% من الاراضي المحتلة عام 1967 ومن دون القدس وفي حال تنفيذ اتفاق شرم الشيخ سيكون بيد السلطة 18% من الاراضي ويبقى 82% منها 60% احتلال اسرائيلي كامل, واحتلال امني وعسكري على 22% وكذلك يتواصل غول الاستيطان لالتهام ما تبقى من الارض واحلال المستوطنين مكان شعبنا بدعوتنا للحوار من اجل صياغة برنامج سياسي جديد ينقذ مجموع الوضع الوطني الفلسطيني الى اتجاه مفاوضات جديدة لمرحلة جديدة تقوم على الشرعية الدولية, وهذا هو الاساس السياسي والقانوني, الذي لايمكن ان تفتح ابوابه الا في اطار منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية الممثل الشرعي الفلسطيني وليس السلطة الفلسطينية التي تمثل جزءا من الحركة الفلسطينية على جزء من الارض.