قدم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع خلال افتتاح محادثات السلام السورية الاسرائىلية في واشنطن مجموعة مهمة جدا من الملاحظات.وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي قوبلت بها ملاحظاته من قبل الصحافة الامريكية والاسرائيلية, فإن ماقاله الوزير يستحق انتباها اكثر جدية بكثير, ومع ان ما قاله لم يكن متوقعا, فإنه كان مفيدا ومناسبا وجريئا . افتتح الشرع كلمته بتحيته الرسمية وبمديح دبلوماسي لجهود الرئيس الامريكي بيل كلينتون للعودة الى محادثات السلام. ثم انطلق بعد ذلك ليحدد صيغة موضوعة بعناية عن الرؤية السورية لجوهر المسار السوري الاسرائيلي. إذ قال بأن السلام بالنسبة لسوريا (يعني عودة كامل أراضيها المحتلة) . ومع بعض التحفظ قال بأن السلام يعني لاسرائىل ايضا (انتهاء حالة الخوف النفسي الذي كان يعيشه الاسرائىليون) والذي اشار الشرع اليه بأنه نتيجة مباشرة للاحتلال نفسه. ثم انطلق الشرع فيما تبقى من كلمته ليشير الى عدد من الملاحظات حول السلام والوعود التي يحملها معه للمستقبل. فقد قال مثلا بأن السلام سيزيل حدود الخوف والقلق ليضع مكانها الثقة ومشاعر السلام والامن المتبادلة. بحلول السلام ستأتي (نهاية تاريخ من الحروب والصراعات) والتي ربما تبعها (حوار الحضارات والمنافسة الشريفة) و(فتح آفاق جديدة لعلاقات جديدة بالكامل بين شعوب المنطقة) . واخيرا اطرح الوزير الشرع سؤالا وجوديا عميقا عندما قال بأن السلام سيحمل بين طياته تحديا خطيرا للعرب ليفهموا تاريخهم وتقييمهم لذاتهم وهم يراجعون نصف القرن الماضي ويسألون انفسهم (فيما اذا كان الصراع العربي الاسرائىلي قد ساعد وحدتهم أم احبطها. ايضا تحدث الشرع بالطبع في بعض الفقرات القصيرة, عن مآسي السوريين النازحين وأشار الى ان هذا العذاب الى جانب التاريخ السوري قد تم تجاهله وتفسيره بشكل مغلوط في الصحافة الغربية. على كل حال فإن الجزء الاكبر من كلمة الشرع ركز على المستقبل ووفر للصحافة الامريكية ولأول مرة بيانا سوريا عالي المستوى عن التزامها بالسلام وعن الرؤية السورية لمستقبل الشرق الاوسط الذي ينتظر (العرب والاسرائيليين والعالم عموما) . وبالنظر الى النبرة الايجابية الشاملة لكلمة الوزير الشرع, فقد تبدو غريبة بعض الشيء النظرة السلبية التي استقبلت بها من جانب الصحافة الامريكية والاسرائيلية. وتكمن المشكلة في الطريقة التي تعمل وفقها الصحافة الامريكية وفشل الجانب العربي في التوصل لاستراتيجية هجومية للانخراط في صلب هذه الصحافة والتأثير عليها. كانت هناك مجموعتان من المحررين الصحفيين تغطي المناسبة. الاولى وهي الأكبر, تضم المحررين الذين يعملون في البيت الأبيض والذين حضروا المناسبة لانها نظمت خارج مكتب الرئيس. اما المجموعة الثانية فتكون من محرري السياسة الخارجية, وبعضهم قدم الى واشنطن من مقار عملهم في القدس. من جانبها فان صحافة البيت الابيض تتعرض لنفوذ كبير من قبل البيئة السياسية التي تعمل ضمنها اضافة لتأثير (تفكير المجموعة) فهم نهاية الأمر يجلسون طوال اليوم وكل يوم في البيت الابيض لتغطية المناسبات الرسمية والبيانات الصحفية للبيت الابيض والتي تكون في معظمها ذات صفة غير حديثة. وهؤلاء يعملون معا ويحصلون على تفسير لهذه المناسبات من بعضهم البضع. اما الصحافيون الامريكيون الخارجيون فيعملون عموما انطلاقا من القدس. وهم يعرفون الاسرائيليون كما يعرفون بعضهم البعض, وبالتالي فهم يتأثرون بشكل كبير ايضا من ملاحظاتهم المشتركة. كانت مناسبة افتتاح المحادثات السورية الاسرائيلية يتوقع لها ان تكون غير حديثة. اي كلمة افتتاحية مقتضبة من جانب الرئيس كلينتون وربما مصافحة او ايماءة قبل المضي للمحادثات السرية. وفي هذه الحال ربما حاول محرر مبتدىء ان يحصل على بضعة كلمات لسؤال صرخ به بينما يدخل القادة الثلاث البيت الابيض. وفي هذا السيناريو ايضا يعكف المحررون الموجودون على المناسبة غير الحديثة في محاولة لتفسير معانيها بالاعتماد على النزر اليسير من المعطيات الملموسة المتوفرة لديهم. وربما ساعدهم في مهمتهم تلك بيان قصير لمسئول في البيت الابيض او بيان آخر (لمصادر لم تكشف عن اسمها) . الا ان ما فعله الشرع كسر هذا القالب. فقد القى ملاحظات غير متوقعة امام حضور لايعتبرون جزءا من السياق ذي الصلة وبالتالي غير قادرين على تفهم اهمية ما قاله وليسوا مؤهلين لتفسيره. اما ما كان بين يدي هؤلاء المحررين فهو مفاهيمهم المغلوطة وبعض الاسرائيليين (المستعدين لتقديم العون) الذين قدموا لهم (السياق) و(التفسير) معاً. وبالتالي ظهرت النتائج واضحة في صحف اليوم التالي الأمريكية, التي قدمت مراجعة لاذعة لكلمة الوزير الشرع. وقد فعل مسئولو البيت الابيض ووزارة الخارجية كل ما بوسعهم لتحسين الحالة, حيث حاولوا تصوير المحادثات بأنها طيبة (و(تذيب الجليد) واوضحوا بانه ليس لدى الرئيس كلينتون اي ملاحظات سلبية على كلمة الوزير السوري. على كل حال فهناك درس يمكن تعلمه من كل ما حدث, وهو درس قديم بحاجة لاعادة شرحه الآن. ويمكن قوله ببساطة كالاتي: ان حقيقة المناسبة او الحدث تحددها كيفية استقبالها وكيفية فهمها. فمع ان السوريين هم أكثرمن فهم وتقبل كلمات وزير الخارجية الشرع, فإن السوريين لم يكونوا سوى جزء واحد فقط من المستمعين الذين اصغوا للشرع. ربما كان الخطاب موجها ويجب ان يكون موجها للامريكيين والاسرائيليين ايضا. لكن باعتبار ان القليلين فقط هم من استمعوا الى خطاب الشرع مباشرة فقد كان على هؤلاء ان يعتمدوا على الصحافة المطبوعة او الالكترونية لسماع محتواه وتفهم معناه. اعلم ان السوريين يريدون ترك انطباع قوى لدى الرأي العام الامريكي وايصال التظلمات العربية الشرعية الى الغرب. وهذا ما ركز عليه وزير الخارجية في خطابه. حيث اكد مثلا على أن الإعلام الامريكي قد اساء تفسير وجهات النظر السورية وتجاهل معاناة الشعب السوري. ان ما كان له ان يساهم في تحقيق هذا الهدف هو إما بعض الاستعدادات المسبقة او بيانات تحريكية تلي كلمة الشرع. اي لو أن بعض الأمريكيين العرب المستعدين لتقديم العون أو بعض الصحفيين العرب أو حتى المتحدثين باسم السفارة في واشنطن قد قدموا ملاحظاتهم مقدما عن ان وزير الخارجية سيلقي خطابا يحقق اختراقا جديدا, أو لو أنهم حصلوا مباشرة على نص للخطاب بعد إلقائه, أو حتى لو قاموا بجهد ما لإعادة توجيه المناقشة للجوانب الاكثر ايجابية من الخطاب بعد ظهور ردة الفعل السلبية عليه لكانت تغطية الصحافة له في اليوم التالي مختلفة تماما. والنتيجة ان اولئك الذين فهموا الى اي مدى كان الخطاب مهما, لم يعرفوا محتواه الا بعد أن اصبح الوقت متأخرا على تقديم المساعدة. ان احداثا كهذه يجب الا تترك لتفسيرات الصحافة العفوية بل يجب ان تتم تغذيتها ومساندتها كما ان العمل مع الصحافة لتصحيح عقود من المظالم يتطلب جهودا متواصلة والعبرة التي تعلمتها كمدرس تنطبق على هذا الموضوع فعندما بدأت حياتي العملية كمحاضر جامعي قال لي بروفيسور اكبر مني سنا باني ان اردت ان اكون مفهوما من قبل الآخرين والا اتعرض لسوء تفسير فيجب ان (اخبرهم عما سأقوله ثم اقوله. ثم اخبرهم بما قلته) وهذه الاستراتيجية اكثر صلة بالسياسة فعلا. السوريون سيعودون الى واشنطن يوم 3 يناير وربما ينضم اللبنانيون للمحادثات على مايبدو بعد فترة قصيرة, كذلك سيأتي الفلسطينيون الى الولايات المتحدة اواسط يناير لاجراء المباحثات الفلسطينية الامريكية الثنائية وعلى هؤلاء جميعا بالاضافة الى اعداد مواقفهم وخرائطهم واستراتيجياتهم التفاوضية ان يستعدوا ايضا باستراتيجيتهم الاعلامية للتأثير على الفهم الامريكي العام لحقوقهم الشرعية التي سيتم عرضها خلال المحادثات. كما ستسنح لهم فرص مهمة للوصول الى الرأي العام الامريكي والاسرائيلي على مدى الاسابيع القليلة المقبلة. واما ان يستفيد العرب من هذه الفرص لمحاولة عرض تظلماتهم واهدافهم او ان الآخرين هم من سيعرضونها حسب رغبتهم. وسيكون من المؤسف جدا فيما لو ضاعت هذه الفرص او اضيعت.