آن الآوان للاطراف العربية ان تقف امام أي محاولة من اسرائيل للرقص واللعب على المسارات التفاوضية. هكذا... بعد ست سنوات من ابرامه اتفاقاً انفراديا مع اسرائيل تتويجا لعملية تفاوضية سرية يقول الرئيس ببساطة (آن الأوان...)ومع انطلاقة العملية التفاوضية بين السوريين والاسرائيليين في واشنطن برعاية امريكية ليس من الصعب ان نتصور الى اي مدى يستبد القلق والاحباط بالرئيس عرفات . ولم يشأ الرئيس الفلسطيني ان يخفي مشاعره فأعرب في كلمة القيت نيابة عنه في نفس يوم بدء التفاوض السوري الاسرائيلي عن خشيته من ان (تعمد اسرائيل الى تجميد مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني بعد استئناف المفاوضات مع سوريا) . ولو استعاد عرفات صورة النزاع العربي الاسرائيلي كما كان حتى اواخر اغسطس 1993 لاكتشف انه لا يملك الآن حق القلق والاحباط. كانت في واشنطن ثلاثة وفود اسرائيلية يتفاوض كل منها مع وفد عربي. وعلى هذا الاساس كانت الوفود العربية ثلاثة: اردني ـ فلسطيني وسوري ولبناني ورغم ان هذا الترتيب الذي افرزه مؤتمر مدريد للسلام لم يكن مثاليا بالنسبة الى الاطراف العربية, ورغم ان الرعاية الامريكية للمفاوضات على المسارات الثلاثة كانت ابعد ما تكون عن النزاهة والحيدة, الا اتفاق الوفود العربية فيما بينها على التنسيق المسبق والتشاور مع كل نقلة جديدة في التفاوض على اي من المسارات اضاع على الطرف الاسرائيلي اي فرصة لخلق تناقضات بين الاطراف العربية بما يفيد الاهداف الاسرائيلية... او هكذا بدا في المراحل الاولى من التفاوض. حينئذ لم يكن لا اعضاء الوفود العربية, بما في ذلك الوفد الفلسطيني, المنهمكين في عمليات التفاوض في واشنطن ولا الحكومات التي يمثلونها يعلمون انه هناك في مكان ما بين الساحل الشرقي الامريكي والعالم العربي كان عرفات وعدد محدود جدا في خلصائه في منظمة التحرير منفردين مع شمعون بيريز وشخصيات يهودية امريكية في جلسات سرية داخل منزل غامض في ضواحي العاصمة النرويجية اوسلو. استمرار الوفد الفلسطيني الرسمي في العملية التفاوضية التي كانت جارية في واشنطن علنا كان اذن من باب التمويه والخداع للاشقاء العرب... يستوي في ذلك عضو وفد مع رئيس جمهورية. وهكذا انشق عرفات على الصف العربي... نأى بنفسه عن قضية الجولان وقضية الجنوب اللبناني في اتجاهه صوب صلح منفرد مع الطرف الاسرائيلي. لكن الانصاف يقتضي ان عرفات لم يكن اول زعيم يشق الصف العربي من حيث التعامل المباشر مع اسرائيل. فقد استن هذه السنة الرئيس الراحل انور السادات بابرام معاهدة كامب ديفيد. وما ان انتهت اسرائيل من عقد صفقتها مع عرفات بالشروط والصيغ التي تلائم مخططاتها للحاضر والمستقبل معا... حتى رأت عاهل الاردن الملك حسين يهرول نحوها بخطوات اسرع من خطى عرفات. ومرة اخرى فرضت اسرائيل ما شاءت من شروط. وهكذا اصطفت مصر وفلسطين والاردن مع اسرائيل وفق اتفاقات ومعاهدات وضعت حدا نهائيا لحالة الحرب مع الدولة اليهودية... وتركت سوريا (ومعها لبنان) في عزلة. ولكن دمشق تدخل الآن ـ بعد ست سنوات في اوسلو عملية التفاوض مع اسرائيل, وقد استوعبت اولا اخطاء نهج التنازلات... ثم انها تلوح بورقة الجنوب اللبناني: اي هي الجهة التي تملك انقاذ اسرائيل من الجحيم اللبناني اذا كانت اسرائيل على استعداد بعمل تنازلات لا المطالبة بتنازلات. ان من المفهوم ان يجزع عرفات من ان اسرائيل تعمد الى تجميد مفاوضاتها على المسار الفلسطيني بعد ما جرى استئناف التفاوض مع سوريا. لكن هل بوسع عرفات ان ينتصر على نفسه بتحويل مشاعر الجزع الى رؤى عقلانية فيعيد النظر في نهج التنازلات؟ اذا فعل ذلك فانه سوف يكتشف ان الخطوة الاولى في هذا الاتجاه هي حشد شعبه في مواجهة اسرائيل لا قمعه استرضاء لها.