تبقى هناك تفاصيل مهمة في حياة المجتمع لا نعرف عنها شيئا ولا يمكننا القاء مسئولية الجهل بها على جهة ما, فهذه مهمة جهات علمية وبحثية حكومية او خاصة تتولى انشاء مراكز ابحاث واستطلاعات للرأى وقياس لتوجهات الافراد في المجتمع بالتعاون مع اساتذة الجامعات ورجال الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى, ومن ثم تسليط الضوء الدقيق الباحث للكثير من الوجوه المغيبة والتفاصيل الدقيقة المجهولة والقضايا الحساسة المسكوت عنها .. لعدم وجود جهة اهتمام واختصاص تنبش في دقائق المجتمع والناس وتدرسها وتنشر نتائجها في الصحف خدمة لكثيرين من الكتاب والباحثين ومحبي المعرفة. وقد يستغرب كثيرون منا وجود احصاءات ونتائج استطلاع للرأي تأتينا من الولايات المتحدة واليابان وفرنسا وحتى من (اسرائيل) احيانا, ومن كافة الدول المهتمة برصد الظواهر الانسانية في المجتمع والمتفقة على اهمية الاحصاء والارقام والمعلومات في عالم صار يعرف بعالم المعلومات. نحن ومن خلال الصحف وبعض النشرات ومواد الانترنت التي لا تحصى نعرف عدد ساعات العمل الاجمالية للموظف الياباني, وعدد قطع السلاح التي صودرت من طلاب مدارس الولايات المتحدة في نهاية العام 1999, وعدد مستشفيات الكلاب في هولندا, وعدد القطط في امريكا, وعدد مقابر الكلاب الفاخرة في فرنسا, وفنادق الخمسة نجوم المخصصة لها في هولندا, وعدد الاشخاص اللذين سيعيشون وحيدين بلا زواج عام 2020 في بريطانيا, واعداد المنتحرين في سويسرا وآخر الاحصائيات المثيرة ما افاد به كبير الجراحين ومساعد وزيرة الصحة في الولايات المتحدة (د. ديفيد ساتشر) من ان امريكيا من اصل خمسة يعاني من اضطرابات عقلية, وان نصفهم لا يتلقون عناية طبية مطلقا. قد لا يحتاج الكثيرون لهذه المعلومات بأرقامها ودلالاتها لكنها تشكل مؤشرات هامة لآخرين يرصدون الظاهرة الانسانية في المجتمعات الاخرى ويكتبون .. حولها, كما تفيد الباحثين والصحفيين في امور عديدة, وحتى ان كانت بلا فائدة فهي تطرح سؤالا كبيرا: لماذا نعرف عن الآخرين كل دقائقهم مهمها وتافهها بينما لا نعرف عن مجتمعنا اهم المعلومات والارقام, حيث يعتبر الحصول على المعلومات بسهولة مقياسا على مدى تطور المجتمعات في عصر يعرف بعصر المعلومات. اذن فمعاهد الابحاث والاطباء واساتذة الجامعات يبذلون جهودا كبيرة لوضع المجتمع بكل ايجابياته وسلبياته تحت مبضع الارقام والاحصائيات وما على وسائل الاعلام سوى نشر الحقائق حتى وان كانت فاضحة او مرعبة, فذلك ادعى لتلمس الخلاص بدل السكوت وطمس الحقائق تحت الاسطح الباردة والاكتفاء بالابتسام والتفرج على الواقع على انه اضواء نيون وصراخ فضائيات في الشوارع وشواهق الاسمنت الباذخة ومعدلات دخول عالمية. انه وفي ظل عدم وجود مراكز ابحاث واستطلاعات للرأي فنحن نفتقد ايضا دورا فاعلا لاساتذة الجامعات الذين يعيشون ويتحركون على ارض هذه الدولة, دون ان يلتفتوا بجدية واخلاص بعيدا عن الاجور والمكافآت المالية ـ لتفاصيل هذا المجتمع, نحن لم نسمع عن اساتذة بحثوا في مستوى ثقافة طلاب الجامعة والثانويات وقدموا نتائجهم لاقسام المناهج في وزارة التربية. ولم نسمع عن استطلاعات اجروها ونتائج توصلوا اليها حول اراء الناس في برامج الفضائيات او خدمات بعض المؤسسات, او تسرب طلاب المدارس وتحركاتهم بعد تركهم للمدرسة, او قالوا لنا بشكل احصائي عن مدمني المخدرات من طلاب الثانوية والجامعة وحتى مدمني السجائر والشيشة والكحول .. نحن لم نقرأ عن استطلاعات رأي قامت بها مهتمات بشأن المرأة من اساتذة الجامعة حول التجربة البرلمانية للمرأة وامكانية دخولها المعترك السياسي و .. نحتاج من اساتذتنا الافاضل ان يلتفتوا للمجتمع قليلا وان يرصدوه علميا واحصائيا بعيدا عن مقالات التنظير والكتب المكررة والمعادة والمتشابهة او عديمة الفائدة. نحن لا نقول ان الجميع مقصر, فهناك اساتذة فاعلون ولكن كم عددهم قياسا بالمجموع الكلي؟ هذا سؤال آخر يحتاج الى احصائية!