هناك توجه جديد لدى دول الخليج العربية وسياسة انفتاح على الاستثمارات الأجنبية, ظهرت بوادرها خلال اكتوبر ونوفمبر الماضيين مع عدد من المؤشرات منها ما هو مجرد اقتراحات وافكار عامة ومنها ما هو توجيهات عليا وخطط مستقبلية ومنها ما هو قرارات بالفعل, ربما يبدأ العمل بها مع مطلع العام الجديد, وشملت هذه السياسة أغلب دول الخليج وعلى رأسها السعودية والبحرين والكويت والامارات أيضا . ففي السعودية كمثال أنشيء مجلس أعلى للتخطيط الاقتصادي برئاسة الامير عبدالله بن عبدالعزيز مباشرة, والذي وجه ولأول مرة بضرورة تسهيل الاستثمار امام الاجانب بما في ذلك السماح لهم بتملك العقارات التي يقيمون عليها مشروعاتهم وبالاستثمار في الاسهم المحلية, كما ان البحرين كمثال آخر تتجه اضافة إلى منح الاجانب حق تملك العقار والاستثمار فيه, إلى منح الاقامة الدائمة لمن سكن البلاد فترة طويلة, وفي الامارات يتجدد الحديث عن مشروع قانون تملك العقارات وهكذا. وواضح طبعا من هذا السباق المحموم إلى جذب الاستثمارات الخارجية ان دول الخليج باتت تعطي الجانب الاقتصادي من سياستها الاولوية, خاصة مع تراجع في مداخيل النفط وارتفاع تكاليف المشروعات واحتياجات الميزانيات مع ارتفاع نسبة النمو السنوية في عدد السكان, ما يعني ان زمان الاطمئنان على أن كل شيء على ما يرام لم يعد قائما, وان هناك قلقا على الاوضاع الاقتصادية تحديدا, خاصة لجهة تراجع المدخول وتفاقم العجز في الميزانيات, مع قلق اكيد من المنافسات الخارجية والتحولات الاقتصادية مع دخول عصر الجات والعولمة. غير ان بعض هذه السياسات الجديدة ليس بالضرورة استجابة لمثل هذه التحولات, والا فان اعتمادها والسير عليها كان من المفترض ان يكون مبكرا, فنفهم ان بعض هذه السياسات هو رد مباشر على اوضاع داخلية جامدة لا تسمح حتى للاستثمارات الوطنية نفسها للانطلاق إلى آفاق ارحب, خاصة مع وجود قيود بيروقراطية وتشريعات معطلة, فيكون قدر من الانفتاح الاقتصادي مع تطوير التشريعات, هو في جانب منه للاحتفاظ بهذه الاستثمارات في موطنها الاصلي ومنع هروبها إلى دول الجوار الاكثر انفتاحا وتشجيعا للاستثمارات. ومهما تكن الاسباب, فان مجرد التفكير في تطوير التشريعات وتحقيق مزيد من المرونة والحرية للاستثمارات ومنحها الامتيازات, هو تطور مهم على صعيد دول الخليج, خاصة لجهة منح الاجانب وبالتحديد المقيمين منهم في دول الخليج حق الاستثمار في سوق الاسهم, وذلك لوقف نزيف هجرة الاموال السنوية التي تقدر بعشرات المليارات, سواء كان ذلك بالاستثمار في صناديق ومحافظ تديرها المصارف أو في سوق الاسهم مباشرة. ولابد أن هناك من يعترض على هذه السياسات الجديدة فيرى مثلا أن دول الخليج غنية ولا تحتاج إلى استثمارات أجنبية, خاصة مع ضيق المجالات امام الاستثمارات الوطنية نفسها من التي يهرب أغلبها إلى الخارج بالمليارات, فيمكن الرد على المعترضين بأن زيادة الخير خير, ودخول مزيد من الاموال إلى بلداننا للاستثمار أمر طيب, كما ان تشجيع الاستثمارات يمكن ان يعجل باعادة اموالنا المهاجرة إلى بلداننا حين تجد ارضا صالحة للاستثمارات وتشريعات صلبة وضمانات أكيدة. مع ذلك فعند المعترضين بعض الحق اذا كان مقصودا من اعتراضهم سن القوانين التي تأخذ في الاعتبار خصوصية بلداننا, فتكون هذه الاستثمارات ضمن ضوابط منطقية تأخذ في الاعتبار مصالح المستثمرين كما تأخذ في الاعتبار مصالحنا الوطنية في دول الخليج في الوقت نفسه, كما انه من المهم ان تضع خطط وتوجهات وسياسات جذب الاستثمارات الاجنبية الفوائد التي من الممكن ان تحققها هذه الاستثمارات لاقتصاداتنا الوطنية, فتساهم في زيادة مداخيلنا سواء لجهة تحصيل الضرائب منها والرسوم أو لجهة تشغيل عمالة وطنية أو لجهة جلب تكنولوجيا متطورة, وغير ذلك من فوائد معروفة لأي استثمار اجنبي, وإلا فكل استثمار آخر لا يحقق فائدة مما سبق هو عبء لسنا في حاجة إليه.