عملية السلام بين العرب واسرائيل تشبه عملية الحياة نفسها. فهي بين مد وجزر تتقدم خطوة إلى الأمام ثم تتقهقر الى الوراء خطوة اخرى. ومابين التقهقر والتقدم يعاني الانسان ويكابد آلاما نفسية وجسدية مبرّحة.من المفارقات مثلا أن سوريا انتظرت خمس سنوات (1991 الى 1996) للحصول على اعتراف اسرائيلي بالانسحاب من هضبة الجولان المحتلة , حتى حدود الرابع من يونيو عام 1967. ثم انتظرت ثلاث سنوات اخرى كي تعترف اسرائيل باعترافها ذاك, وتستأنف المفاوضات من حيث انتهت اليه. واستئناف المفاوضات شيء, والوصول الى اتفاق سلام شيء آخر, وبين هذا وبين انسحاب آخر جندي اسرائيلي من الهضبة قد ينقضي وقت ليس بالقصير. ونحن رأينا كيف ان الفترة الانتقالية التي نصت عليها اتفاقيات اوسلو, لم تنفذ كاملة حتى الآن. أي بعد مرور ست سنوات على توقيع تلك الاتفاقيات. والمؤكد ان التوصل لاتفاق الوضع النهائي, سوف يستغرق هو الآخر وقتا, ووقتا أطول لتنفيذه. يقال بان خمس سنوات أو عشر سنوات لاتساوي شيئا في تاريخ الشعوب. وهذا قطعا صحيح. بيد أن الصحيح كذلك أن العشر سنوات بمقياس عصرنا هذا تساوي مئة سنة بمقاييس العصور السابقة. والسؤال دائما هو لماذا ينبغي اضاعة مثل هذه السنوات, طالما أن هناك اتفاقا وتفاهما حول الجوهر أو المبدأ؟ ولماذا ينبغي ان يعاني الناس أطول فترة ممكنة, طالما أن ذلك ليس ضروريا, ناهيك أن يكون نافعا بأي حال من الأحوال؟ بالطبع يمكن (وينبغي) تفهم ان المفاوضات بما انها وسيلة توافق سلمي للتوصل الى حل للنزاع الناشب, تحتاج الى وقت وجهد كي تحرز نجاحا او تقدما, سيما وهي تزمع ارساء أساس آمن وسلمي للتعايش المستقبلي بين شعبين عاشا طوال خمسين عاما أجواء الحقد والكراهية والخصومة المريرة. وخلال هذه الفترة ايضا خسر الشعب الفلسطيني معظم أرضه, وشردت اسرائيل بالقوة النسبة الأكبر من عدده. كما خيضت ثلاث حروب طاحنة بين العرب والاسرائيليين في غضون أقل من 25 عاما, الامر الذي يدفع للقول بأن وقتا لا بأس به يجب ان يمضي اولا, قبل أن نرى حدوث امكانية فعلية لازالة هذه الآثار أو التخفيف منها على الاقل, عن كاهل الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى ثم الشعوب العربية, فالشعب الاسرائيلي. والمؤكد ان ذلك لن يتم بصورة تلقائية, وانما لابد من بذل الكثير من الجهد والعمل اسرائيليا وعربيا. ولكن حتى هنا ألا يمكن أن يتم كل ذلك بصورة بناءة وايجابية, بدلا من اعادة اختبار الاشياء وتجربتها في كل مرة؟ وفي عملية الحياة, فان الانسان يسعى باستمرار لجعل حياته أكثر راحة, واسهل وافضل ظروفا وأشد جاذبية. لكن عملية السلام لا تسير على هذا النحو للأسف الشديد. الواقع ان اسرائيل بتمسكها بالمستوطنات وتوسيعها تجعل العملية اعقد واكثر صعوبة, كما تسبب آلاما اضافية للشعب الفلسطيني, وترسخ عوامل عدم الثقة بها في الشارع العربي. كما ان استراتيجيتها القاضية بالفصل بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي, لايمكن ان تخلق وضعا ملائما للتعايش والتعاون السلمي بينهما. وتعود جذور هذه الاستراتيجية بالذات الى المخاوف الاسرائيلية من العامل الديمغرافي, الذي من شأن إهماله, ان يؤدي الى تحول اليهود الى اقلية في فلسطين مستقبلا, وبذلك يعيد التاريخ نفسه الى ما قبل العام 1948, حيث كان الفلسطينيون يشكلون أكثرية عدد السكان. ومن هنا فان الحل ـ حسب النظرة الاسرائيلية ـ يكمن في فصل الفلسطينيين عن الاسرائيليين, عبر السماح بتأسيس دولة فلسطينية محدودة الامكانيات, وذات قدرات منخفضة الى ادنى حد ممكن. واذ يمكن تفهّم مثل هذه المخاوف, غير ان سياسة الفصل هذه بالذات, لايمكن ان ينتج عنها حل تاريخي قابل للاستمرار, بالنظر الى ترابط مصير السكان جغرافيا وتاريخيا واقتصاديا. وبالنظر الى أن التفاوت في الحقوق وفي المستوى المعيشي والحضاري, سيخلق عوامل عدم استقرار وتوتر دائم. على العكس من ذلك فانه وحده في اطار الاحترام المتبادل والحقوق المتساوية بين الشعبين, يمكن الحديث عن تعايش طويل الامد وانتفاع متبادل. وهذا هو الحل الامثل. غير ان حزب العمل ـ وهو صاحب استراتيجية الفصل ـ يعتبر ان خيار شعبين ودولتين, هو الضمانة الوحيدة لبقاء اسرائيل وتفوقها. ومن هنا فان سياسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة, والعمالية منها تحديدا, تتجه منذ عملية السلام الى الاستيلاء على أكثر قدر ممكن من الارض الفلسطينية, وهذا هو جوهر الاستيطان. ربما كان علينا ان نتذكر على الدوام, بأن الهدف الاساسي والنهائي لعملية السلام هو ازالة آثار حرب يونيو 1967, والتي لم تؤد فحسب الى خسارة العرب أجزاء من اراضيهم وانما احدثت جروحا نفسية غائرة في الوجدان العربي, لم تندمل حتى اليوم. وتعتبر عملية انسحاب اسرائيل من هذه الاراضي, في اطار العملية السلمية الحالية, هي الاجراء الواقعي والممكن لمداواة تلك الجروح. وهذه هي الحقيقة الساطعة التي لا ينبغي اللف او الدوران حولها, فبدون الاقرار بها من الصعب وضع نهاية سلمية ومقبولة للصراع العربي الاسرائيلي.. والمؤسف أن يتعين على طرفي الصراع انتظار المزيد من الوقت.. والمزيد من الآلام غير الضرورية وغير الحتمية.. وبالطبع غير المبررة.