انقلاب نميري في عام 1969 كان جزئيا نتيجة مباشرة لخط الحزب الشيوعي في عام 1965, ولا شك ان د. حسن الترابي أدرك بحسرة وبأثر رجعي هذه الحقيقة وهو في المعتقل يقرأ ويسمع عن قيادات في الحزب الشيوعي وقد صاروا اقطابا في السلطة الانقلابية الجديدة . لكن اندفاع الترابي وحماسته الانفعالية تجاه الغاء الحزب الشيوعي من الوجود السياسي لم يكن خطأه الحساباتي الأوحد, فقد نشأ ظرف جديد عقب حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه البرلمانيين بعام واحد فقط, ففي عام 1966 أصدر القضاء السوداني حكما بعدم دستورية حل الحزب وما ترتب على الحل من طرد النواب وذلك بناء على دعوى دستورية تقدم بها قادة الحزب الشيوعي بعد قرار الحل مباشرة, وما ان صدر حكم المحكمة حتى انطلقت (جبهة الميثاق الاسلامي) بزعامة الترابي على صعيدي الشارع والبرلمان تستثير المشاعر الجماهيرية والسلطوية ضد الحزب الشيوعي والهيئة القضائية في آن معا. وفي أجواء متكهربة ومتصاعدة التوتر تبلورت بسرعة أزمة خطيرة بين السلطة التنفيذية كما كان يمثلها رأس الدولة اسماعيل الأزهري ورئيس الوزراء محمد أحمد محجوب وبين الهيئة القضائية كما كان يمثلها رئيس القضاء بابكر عوض الله, فقد رفضت السلطة التنفيذية رسميا الحكم القضائي وعمدت إلى عرقلة تنفيذه عمليا وسط مشاجرة قانونية كبرى برز خلالها الترابي و (جبهة الميثاق الإسلامي) مع (حزب الأمة) و(الحزب الوطني الاتحادي) في اصطفاف هجومي ضد الحزب الشيوعي ورئيس القضاء بابكر عوض الله من الجانب الآخر, ونتيجة لانحياز الحكومة ضد القضاء قدم عوض الله استقالة مدوية في مذكرة غاضبة الكلمات ورد فيها (انني قررت عدم البقاء في منصبي حتى لا أشهد الهيئة القضائية تقطع أوصالها تقطيعا) . جسامة الخطأ الحساباتي السياسي للدكتور الترابي ظهرت من أول وهلة لوقوع انقلاب نميري بعد ثلاث سنوات فقط من المعركة القانونية التي قادها الترابي ضد القضاء, فقد اشتملت عضوية مجلس قيادة الثورة, برئاسة العقيد جعفر نميري على اثنين من الشيوعيين: المقدم بابكر النور والرائد هاشم العطا بينما أعلن رئيس القضاء المستقيل بابكر عوض الله رئيسا لوزراء العهد الجديد بالاضافة إلى منصب آخر لا يقل خطورة: نائب رئيس مجلس قيادة الثورة. ومن الملفت في ذلك الحين ان د. الترابي تعامل مع نظام نميري اليساري في تلك المرحلة بسلبية ان لم نقل باستسلام, رغم انه لا يمكن ان يقال نفس الشيء عن قادة (جبهة الميثاق) الآخرين والجبهة نفسها وجماهيرها اجمالا, من المعتقل عاد الترابي إلى بيته حيث اخضع لفترة للحجز المنزلي ثم رفع عنه هذا الحجز, وطوال هذه الفترة كان حريصًا على عدم المصادمة مع النظام. ومع ذلك فإن نظام نميري الذي استمر لمدى 16 عاما برهن انه كان اجمالا هدية من السماء إلى الترابي و (جبهة الميثاق) . بعد عامين فقط من الاستيلاء على السلطة انقلب نميري على الحزب الشيوعي الذي كان يشارك معه في السلطة ويدعمه بمساندة شعبية قوامها النقابات المهنية القوية في روافد الحزب. ومن المعلوم بصفة معممة ان الكارثة العظمى التي حلت بالحزب الشيوعي وأخرجته نهائيا من المجرى الرئيسي للتاريخ السياسي السوداني كان انجازا (نميريا) صرفا, لكن هذا القول رغم صحته تنقصه الدقة, فما كان لنميري ان ينجح في القضاء التام أو شبه التام على الحزب لولا تعاون عدد من أقطاب الحزب نفسه مع سلطة نميري في تدمير حزبهم, كان الحزب قد انشق إلى فريقين: فريق بقيادة الأمين العام عبدالخالق محجوب الذي كان يتخذ موقفا انتقاديا تجاه نظام نميري وفريق وضعوا أنفسهم تحت خدمة نميري وهم أحمد سليمان وفاروق أبوعيسى ومعاوية ابراهيم, هؤلاء الثلاثة تعاونوا مع جهاز أمن نميري في تزويده بكل ما يملكون من معلومات دقيقة بشأن الكادر السري للحزب وخلاياه المتعددة علما بأن ثلاثتهم إذ كانوا يحتلون مناصب وزارية في سلطة نميري كانوا في الوقت نفسه من أبرز أعضاء المكتب السياسي للحزب. ولكن ما علاقة ذلك بقصة حسن الترابي والجبهة الإسلامية؟