هناك اليوم في الدول النامية مظاهر تخلفية عديدة, تأخذ بخناقها وتسير بمجتمعاتها نحو التردي والانحلال والتقهقر. ولا يمكن حصر هذه المظاهر, لكثرتها ولتغلغلها في مختلف شرايين الحياة, السياسية منها والثقافية والعلمية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ولكننا نستطيع ان نذكر منها على سبيل المثال, التصلب في الرأي , وعدم تقبل النقد, وتضخم النزعة الفردية الانانية, والفجوة الواسعة بين الاقوال والافعال, والتشبث ببعض العادات البالية, حتى لو استبان خطؤها وعدم الشعور الكافي بالمصلحة الجماعية, وانخفاض المورود المادي للاعمال الفكرية الراقية, وعدم تشجيع المخترعين, والميل الى النفاق والمداهنة, وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تعد مسئولة الى حد بعيد عن معاناة الشعوب المختلفة. ونحن هنا, سنركز على واحدة فقط من الافات الخطيرة التي تنخر في اوصال مجتمعاتنا وتضعف بنياتها الداخلية وتقوض تماسكها. ونقصد بذلك سعي بعض الناس الى الحصول على امتيازات واستثناءات وحقوق لا يستحقونها, باللجوء الى الواسطة, بدلا من التقيد بالضوابط والانظمة القانونية المعروفة. وهؤلاء غالبا ما يجدون في الادارات والاقسام المختلفة, التابعة للدولة, من يساعدهم من اصحاب النفوذ على نيل مآربهم لقاء ثمن معين. وبهذه الطريقة يستفيد الطرفان, اي طالب الواسطة, وصاحب النفوذ الذي يحقق له ما يريد. ولكن هذا يتم للاسف على حساب الوطن والمصلحة العامة. ان داء الواسطة ينخر اليوم في اوساط البلدان المتخلفة, نخر السوس في الاسنان. فكثيرا ما يحصل بعض الناس, في مثل هذه البلدان, بالتوسط, على اكثر مما يستحقون, وبشكل يناقض القوانين والانظمة المرعية, ويتعارض مع حقوق الاخرين. وعندما يكون الانسان مغبونا ومغبوط الحق, ويريد ان يرفع الحيف عن كاهله, فاننا يمكن ان نسوغ له اللجوء الى الواسطة والاستعانة بالاصدقاء وذوي النفوذ حتى يستعيد حقه المهدور. اما التوسط الذي يهدف الى القفز من فوق القوانين والانظمة بهدف الحصول على مزايا ومكاسب غير شرعية, فانه غير مبرر ويقود الى اضرار كبيرة والى افقاد القانون الكثير من هيبته ومصداقيته. ولكن هذا الوضع يتخذ اخطر الاشكال ويستجر اوخم العواقب, عندما يتعلق الامر بالعلم والتربية والثقافة. فحينما يحوز احد الناس, بالواسطة, على شهادة علمية عالية, دون ان يكون اهلا لها, تنشأ اضرار جسيمة على المجتمع, فيتناقض الشكل مع المضمون ويختلط الحابل بالنابل, ويمتزج الغث بالسمين, وبالتالي لا نحصد الا الضياع واختفاء الحقيقة. ولعل من اطرف المفارقات ان نتصور رجلين, احدهما يحوز شهادة عالية كالدكتوراه, نتيجة للبحث الدؤوب المتواصل وسهر الليالي, والاخر يملك شهادة مماثلة, حصل عليها بالواسطة, او بدفع مبلغ من المال, او بفضل ولاء سياسي معين. ومن الطبيعي ان الرجل الذي يحمل شهادة عالية في تخصص معين, من غير حيازة المقدرة العلمية اللازمة للحصول على هذه الشهادة, يمارس عمله بشكل يلحق افدح الاضرار بالامة, ولا سيما اذا كان طبيبا يتحكم بارواح الناس, او مهندسا معماريا يصمم العمارات المهيأة للسكن, او طيارا يقود طائرة في الجو. ولعله يجوز لنا ايراد مثال توضيحي اخر يتعلق بشهادة بسيطة ترتبط بعمل يدوي غير فكري, وهي شهادة قيادة السيارة. فاذا حصل احدهم على هذه الشهادة بالواسطة, دون ان يكون قادرا على القيادة الصحيحة, يصبح من السهل ان نتصور جسامة المشكلات المرورية وحوادث السير التي يمكن ان يسببها ذلك. وقد سقنا هذا المثال للتوضيح فقط, اذ ان اهتمامنا منصب اصلا على مشكلة الشهادات العالية المزيفة. ولحل هذه المشكلة نقترح ان يكون هناك شكل من اشكال الاشراف الدولي على منح الشهادات العالية. ويمكن لليونسكو ان تقوم بدور هام في هذا المجال, كمراقبة الجامعات التي تمنح بعض الشهادات, اعتباطا وبدون وجه حق, ولأسباب تتعلق بالواسطة او بالرشوة او بولاء سياسي معين. واذا لم تتراجع الظاهرة التخلفية, فاننا سنستفيق لنجد ان اعداد اصحاب الشهادات العليا غير الأكفاء قد اصبحوا اكثر من اعداد شعور الرأس. وما ذكرناه بشأن المجال العلمي والتعليمي,ينطبق ايضا على المجال الثقافي. ويحدث هذا عندما يتمكن كاتب فاشل من نشر كتاب هزيل عن طريق التوسط لدى احدى دور النشر الرسمية او الخاصة. وفي مثل هذه الحالة ستضيع تكاليف الورق وطباعة الكتاب دون تحقيق فوائد علمية, وستختلط الكتب الغثة الرخيصة بالكتب القيمة الدسمة. والامر نفسه يرى على نشر المقالات الرديئة عن طريق المحسوبية والواسطة, مما يؤدي الى ضعف مستوى الدورية التي تنشر الانتاج الهزيل والى ادبار القراء عنها. مجمل القول ان منطق الواسطة الذي يستشري في الدول المتخلفة, تتفاقم اخطاره, وتستفحل اضراره, عندما يسود في الميدان الفكري, مثل منح الشهادات ونشر الانتاج الثقافي, لأن الاضرار في هذه الحالة تقع بشكل فوري ومباشر وتؤدي الى تخريب علمي واسع. والحال تختلف بالطبع في الدول المتقدمة عنها في الدول المتخلفة. فهناك نجد دور الوساطة والمحسوبية محدودا في المجال العام, ويكاد يكون شبه معدوم في المجال العلمي. فالكفاءة والتميز والمقدرة العلمية وحيازة المعلومات المفيدة هي المقاييس السائدة لمنح الشهادات العليا ونشر الكتب والمقالات والفنون الادبية. وهذا الوضع الرصين يكسب الجهات المانحة للشهادات والناشرة للانتاج الفكري على اساس موضوعي بحت, سمعة طيبة ومصداقية واعترافا دوليا. وهل يمكن لجامعات مثل اوكسفورد والسوربون وكاليفورنيا وكامبردج ولدوريات مثل التايم والنيوزويك والاندبندنت والاكسبرس والايكونومست ان تحظى بسمعتها العالية المرموقة وتتبوأ مكاناتها البارزة, لو كانت تتعامل مع الشهادات والابحاث على اساس المحسوبية والواسطة؟!. كاتب سوري