لن يكون القرن الحادي والعشرين, زمنا للعولمة الاقتصادية والتجارية, ويبدو أن القرن المقبل سيكون مخيباً للآمال لدى رؤساء الدول المتقدمة وأصحاب الشركات المتعددة الجنسية الذين ظنوا ان عقد جولة مفاوضات (سياتل) سيكون كفيلا بتدشين عصر العولمة التي يريدونها في نهاية الألفية الثانية وقدوم الثالثة بعد ايام قلائل . فالذي حصل في (سياتل) لم يكن متوقعا لدى اصحاب الاحتكارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات لانهم على ما يبدو صمموا حساباتهم ودراسات جدواهم لان يكون العالم بموارده واسواقه وشعوبه تحت نفوذهم الاقتصادي في اطار ما سموه (حرية التجارة العالمية) . للمرة الاولى تشعر شعوب الدول النامية ـ اي الفقيرة ـ بنشوة الانتصار على القوة القطبية الاولى المهيمنة على العالم اجمع, ولذلك يجب ان تتحول مناسبة فشل مؤتمر سياتل بالولايات المتحدة الامريكية يوم 4/12/1999 الى ذكرى تخلدها الدول الفقيرة في هذا الكون, لان نتائج المؤتمر جاءت واضحة للجميع, فشل ذريع للولايات المتحدة وللرئيس كلينتون شخصيا الذي اراد الدفاع عن مصالح الشركات الاحتكارية الامريكية لضمان موقع ملائم له في التاريخ الامريكي حينما يخرج من البيت الابيض في نهاية العام ,2000 وربما ان الرئيس الامريكي فوجيء بهذه النهاية الدرامية للمؤتمر, لما أذهلته أصوات الفقراء والمضطهدين التي علت فوق اصوات اصحاب المليارات المتنفذين الذين يريدون تحويل دول العالم النامي الى مزارع جماعية لهم واسواق استهلاكية لشركاتهم. في الوقت نفسه اظهرت الاحتجاجات التي قامت بها حركات المعارضة وحقوق الانسان وحماية البيئة والنقابات العمالية مدى البون الشاسع الذي يفصل بين مبادىء السياسة الامريكية وممارساتها العملية وكشفت عن ان واشنطن لا تهتم بحقوق الانسان كثيرا اذا كان الامر يتعلق بمصالح الشركات الاحتكارية واصحاب النفوذ. من هذا المنطلق كان الرئيس كليتنون هو الخاسر الاكبر والوحيد في جولة مفاوضات (سياتل) التي انتهت الى فشل غير متوقع! صحوة متأخرة: ما زالت التساؤلات حول اسباب هذا الفشل مثارة لدى العديد من الخبراء والمراقبين الذين استغربوا كيف تحول مؤتمر (سياتل) من انتصار امريكي للعولمة الاقتصادية الى هزيمة قاتلة لهذه العولمة الضارة؟ يرى بعض الخبراء ان ما حصل هو مجرد صحوة متأخرة على الواقع الامريكي الذي فرض على الكون بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات, لان غالبية الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية (WTO) البالغ عددهم 135 دولة وينتمون الى العالم النامي الفقير (العالم الثالث) وهذه الدول لم تحصد في السنوات القليلة الماضية سوى مرارة المتاعب الاقتصادية, ويبدو ان المشاعر الوطنية هبت فجأة تحت وطأة الفقر والتضخم والبطالة بعدما اكتشفت ان العولمة الاقتصادية هي مجرد نظام امريكي يدعو الى نبذ المشاعر الوطنية والقومية والانفتاح العالمي بلا حدود والتسليم بسيادة السوق والرأسمال الاجنبي. ولذلك ارادت الدول النامية تسجيل نقطة نظام وتوقف اندفاع واشنطن وحلفائها وشركاتها الاحتكارية لانها فهمت ان هدف واشنطن من العولمة الاقتصادية هو الهيمنة القائمة على حركة رؤوس الاموال والمنتجات والتسليم بسيادة السوق وانتقال مركز القرارات الكبرى في الاستثمار والعمالة والصحة والتعليم والثقافة والبيئة من المجال العام أو الدولة وفي بلدان المحيط بشكل خاص الى الشركات المتعددة الجنسية او صندوق النقد الدولي. ويرى الخبراء كذلك ان استكمال شروط انضمام الدول النامية الى منظمة التجارة العالمية يعني ببساطة ان هذه الدول ـ ومنها الدول العربية او العالم ثالثية ـ ستصبح مجرد مشروعات يتم بواسطتها تدمير السوق الوطني او القومي حيث سيكون الاقتصاد في هذه الدول متعددة الجنسية بصورة مثيرة فلا وجود للهوية الوطنية او القومية او الدولة الامة لان العولمة نقيض لكل هذه المفاهيم. عودة الوعي: ربما استيقظت الدول النامية في (سياتل) بعد سبات عميق استغرق عقدا من الزمن, ويمكننا تفسير هذه اليقظة بانها بداية لعودة الوعي لتصحيح الاوضاع المأزومة للشعوب الفقيرة التي افاقت بعد تحريرها من الاستعمار الاجنبي على استعمار اقتصادي جديد هو (العولمة) ويبدو ان هذه الدولة بدأت تمسك بزمام المبادرة من خلال استعادة وعيها الوطني كما يبدو انها فهمت ان الرفاهية الموعودة في ظل العولمة ما هي الا وهم ساذج لان العولمة ليست سوى لحظة سالبة في التطور التاريخي المعاصر وتقوم على مبدأ البقاء للاقوى في وطن عالمي بلا حدود تحكمه الاحتكارات التجارية والاقتصادية. ان مصدر سعادتنا بفشل جولة (سياتل) نابع من عودة الوعي القومي لدى شعوب الارض المضطهدة التي لم يسمع صوتها في (سياتل) ولم يجر اطلاعها على مشاريع الاتفاقيات التي تحدد مصير شعوبها فكانت النتيجة انها (تمردت) على سطوة الحاكم القطبي الكوني (وانتصرت) لشعوبها. ويرى الخبراء ان الولايات المتحدة الامريكية مضطرة الآن لمراجعة حساباتها بدقة, خاصة بعدما فهمت ان الاحادية القطبية لم تمكنها من اخضاع شعوب الارض تحت سيطرتها. ولذلك تسود التوقعات الآن في اوساط الباحثين والخبراء بأن الدور المركزي الذي تملكه الولايات المتحدة في السيطرة المباشرة على الانظمة العالمية بدأ في التلاشي بعد رفض الدول الاوروبية له وتمرد الدول النامية عليه, كذلك لايعقل ان يظل مصير حوالي 6 مليارات من البشر (تعداد سكان الكرة الارضية) تحت رحمة الشركات المتعددة الجنسية, ففي عالم اليوم توجد 500 شركة متعددة الجنسية, منها 165 شركة امريكية و111 يابانية و224 اوروبية وتسيطر على ثلثي التجارة العالمية, اذ يبلغ حجم التجارة التي تديرها هذه الشركات سنويا بحوالي 3 تريليونات دولار من اجمالي التجارة العالمية البالغ 4.5 تريليونات دولار امريكي. الهيمنة .. البداية والنهاية: في الوقت الذي كان يتوقع فيه الخبراء بأن الولايات المتحدة ستظل هي القوة القطبية المهيمنة في القرن المقبل نرى ان مفكرا امريكيا بارزا مثل صمويل هننغتون يقول (بأن امريكا هي القوة القطبية الوحيدة والأخيرة في هذا الكون) . وهذا يعني ان القرن المقبل سيشهد بروز كيانات سياسية واقتصادية جديدة في اوروبا وآسيا تسحب البساط من تحت اقدام الولايات المتحدة الامريكية. وكما يقول روبرت شتراوس هوب في كتابه (توازن الغد) 1994 ان الولايات المتحدة حاولت توحيد الكرة الارضية تحت قيادتها وواصلت فرض هيمنة الثقافة الغربية بسرعة قياسية خوفا من نمو دول القارة الآسيوية أو أي قوى اخرى لاتنتمي للحضارة الغربية) . غير ان ما شاهدناه في (سياتل) هو مجرد تدحرج للصخرة الامريكية من أعلى الجبل الكوني الضارب في العمق, وهو بداية للتراجع والافول! وعلى عكس ما يتوقع بعض الخبراء والمفكرين فان المستقبل في الخمسين سنة المقبلة لن يكون للولايات المتحدة وحدها, وبالتالي لن تنجح الولايات المتحدة في بناء امبراطورية مرادفة للامبراطورية الانسانية لان المشروع الامريكي الهادف للقضاء على الدول القومية بدأ يترنح في (سياتل) وربما يواصل ترنحه في (جنيف) الى ان يبلغ ذروة الانحدار المدوي في القرن المقبل.