قضيت الاسبوع الاول من الشهر الجاري ما بين فرنسا والمغرب العربي, وكان البرد الباريسي حليما رفيقا بي وبالناس فتمكنت من الاطلاع على الحياة السياسية والفكرية للمجتمع الفرنسي وهي تعج بالقضايا الحية والمبادرات الذكية, حتى تلك التي تهمنا نحن العرب والمسلمين بدرجة حميمة . فقد اطلعت على تحرك المجتمع المدني الفرنسي مثلا ضد الحرب الوحشية التي تشنها روسيا الاتحادية ضد جمهورية الشيشان وهذا التحرك اوسع واجدى واكبر من تحرك المجتمعات العربية والمسلمة التي اعتنت اكثر باستقبال شهر الصيام واقتناء حاجاتها الغذائية. فالجمعيات الفرنسية الخيرية راحت تجمع المعونات وتؤيدها جمعيات مهنية او ثقافية تندد بالحرب الجائرة وتستنفر الرأي العام الفرنسي للضغط على الحكومة الفرنسية حتى تضغط بدورها على الحكومة الروسية بالتنسيق مع الاتحاد الاوروبي لايقاف تلك الحرب القاتلة الشرسة التي تدمر المدن وتحرق المحاصيل وتشرد شعبا مسلما في طرقات الثلج والجوع والعراء والمرض. شعرت وانا ازور معرضا ضد حرب الشيشان نظمته جمعية شبابية صغيرة في باريس بأن الرأي العام ظاهرة سياسية وقوة سوسيولوجية يؤثر فيها الخطاب الهادىء المعتمد على نصرة الحق ويسخرها لخدمة مبدأ انساني او مثل اعلى او قضية عادلة, وان هذا الرأي العام في عالمنا العربي والاسلامي ظل في مرحلة الانشاء والتشكل, لا يمكن مخاطبته بحرية او تجنيده بذكاء ليخدم قضية عادلة, بالطبع لا تنكر مجهودات جليلة ومباركة قامت بها جمعيات خيرية في دول مجلس التعاون حسست الرأي العام المسلم بضرورة ان يهب لعون اخوانه في مخيمات انجوشيا ولكنها تظل اعمالا كريمة مؤقتة تحتاج الى مخطط طويل النفس لاقرار مؤسسات تضامنية مستديمة تواجه هذه الازمات بسرعة وحكمة ونجاعة. وفي مجال آخر بعيد عن هذا اقتنيت في باريس كتابا هاما صدر في نفس الاسبوع عن احدى دور النشر بعنوان (العراق: نهاية العالم) كتبه احد القساوسة الفرنسيين هو الاب جون ماري بنجامين لحشد الرأى العام الفرنسي من اجل وضع حل لفاجعة الشعب العراقي يقول الاب بنجامين الذي قطع مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر داخل العراق ان الحصار المضروب على العراق وقبله استعمال القنابل الامريكية والبريطانية ذات اليورانيوم المفقر, ادت الى قتل مليون ونصف المليون ضحية وموت نصف مليون طفل عراقي فتلك القنابل ذات اليورانيوم المفقر كانت تنزل على العراق وبلغ وزنها سبعمئة الف طن, يقول الاب بنجامين كاتب هذا الكتاب انه ينسق حركة سلمية لرفع الحصار عن العراق مع وزير العدل الامريكي الاسبق رامساي كلارك الذي كان يشغل ذلك المنصب في عهد الرئيس ريجن, وهو صديق حميم للمرشح الامريكي للرئاسة ليندن لاروش.. السياسي الامريكي الوحيد الذي يترشح للمنصب السامي ويطالب برفع الحصار عن العراق وتوخي العدل في معالجة قضايا الشرق الاوسط. وفي مجال ثالث مختلف, رأيت في ساحة حقوق الانسان تحت اقدام برج ايفل الفولاذية الباردة مظاهرات سلمية ضد محاكمة عبدالله نوري مدير مجلة (خورداد) الايرانية ووزير الداخلية السابق ومحاكمة شمس الواعظين الصحفي المعروف, يشارك في تلك التظاهرات الهادئة السلمية جمع من الايرانيين المقيمين في باريس وجمع من الفرنسيين يوقعون بحماس ولطف على عريضة مطروحة للعموم وتذكرت اعوام السبعينيات حين كنت أرى في نفس ساحة حقوق الانسان تقريبا نفس الوجوه او وجوها شبيهة بها تندد بالسافاك وبقمع شاه ايران وتنادي بالديمقراطية لايران, ثم تذكرت مطلع الثمانينيات وكانت نفس الوجوه تقريبا تشجب قمع الثورة لخصومها وتندد باعدام صادق قطب زادة وملاحقة ابي الحسن بني صدر. في كل هذه المجالات تعيش باريس قضايانا نحن وتتفاعل مع مصيرنا نحن وتؤكد انها عاصمة الضمير العالمي والضمير العربي الاسلامي كما عهدناها اليس في ذلك اجمل تعريف للنور؟