لمدى اكثر من عشرين عاما بين اوائل الخمسينيات واوائل السبعينيات ظلت الحركة الاسلامية في السودان تعتبر ان عدوها الاستراتيجي الاول هو الحركة الشيوعية ممثلة في (الحزب الشيوعي السوداني) .لكن من سخريات التاريخ السياسي السوداني ان القضاء على الحزب الشيوعي لم يأت على يد الاسلاميين . فقد اتضح للدكتور حسن الترابي ورفاقه من القيادات الاسلامية ان مجيء العقيد جعفر نميري الى السلطة في عام 1969 عبر حركة انقلابية عسكرية والذي استقبلوه باعلى درجات التشاؤم الممتزج بالرعب برهن لاحقا على انه نعمه لا نقمة. فبعد سنتين من عمر سلطته الانقلابية دخل نميري التاريخ بتدمير اقوى حزب شيوعي في افريقيا والعالم العربي. مع مطلع الخمسينيات ظهرت الحركة الاسلامية السودانية الحديثة كتنظيم طلابي . وبقيت كذلك محصورة داخل البيئة الطلابية المحدودة حتى منتصف الستينيات ولمدى الخمسة عشر عاما التالية ظل التنظيم الطلابي الشيوعي المنافس الاكبر, وبالاحرى الاوحد في المدارس الثانوية والجامعة للحركة الطلابية الاسلامية التي اتخذت اسم (الاخوان المسلمين) علما بان الشيوعيين كانوا ايضا ناشطين تنظيميا في الساحة السياسية الحزبية العامة. الطالب حسن عبدالله الترابي تزامن دخوله الجامعة في اوائل الخمسينيات مع ظهور (الاخوان المسلمين) فقضى سنوات الدراسة الاربع في كلية القانون متشبعا بالكراهية للشيوعية والشيوعيين. وبعد تخرجه في عام 1955 لم تنقطع صلته بالمحيط الاكاديمي فقد صار معيدا ثم محاضرا ثم عميدا لكلية القانون, لكنه ظل شخصية مغمورة بالمعنى السياسي. اول فرصة اتيحت للترابي لولوج الساحة الوطنية السياسية العامة كانت ثورة اكتوبر 1964 التي اطاحت باول نظام عسكري يحكم السودان. فقد كان ابرز مشارك في ندوة سياسية اقيمت بجامعة الخرطوم كانت هي الشرارة التي فجرت الانتفاضة الجماهيرية ضد الحكم العسكري. على انه لايمكن القول تاريخيا ان تنظيم (الاخوان المسلمين) هو الذي تحمل عبء الاعداد لهذه الانتفاضة الشعبية وتفجيرها والسير بها الى منتهاها. الحزب الشيوعي هو في الحقيقة التنظيم السياسي الذي تولى هذا الدور .. ولولا ديناميكيته التنظيمية ونشاطه المنظم الفعال لما نجحت الثورة, وهذا مما يفسر لماذا برز الحزب الشيوعي في المرحلة الديمقراطية التعددية التي اعقبت الثورة ابتداء من عام 1965 كاكبر تنظيم نجح في استقطاب شرائح النخب المثقفة والمتعلمة. لقد تخوفت كل الاحزاب من التنامي الشعبي المتسارع للحزب الشيوعي في الشارع العريض كما في اوساط النقابات المهنية والعمالية. لكن اشدها تخوفا كان تنظيم (الاخوان المسلمين) الذي دخل في تلك السنة لاول مرة معترك الصراع الحزبي في الساحة الوطنية العريضة بعد ان غير اسمه الى (جبهة الميثاق الاسلامي) ورغم ان الدكتور حسن الترابي فاز بمقعد في انتخابات (دوائر الخريجين) الا ان نتائج تلك الانتخابات كانت في اجمالها فوزا اكتساحيا لمرشحي الحزب الشيوعي. هنا جرى تدبير مؤامرة تستهدف حظر الحزب الشيوعي وحله نهائيا, ومع ان رأس الحربة في تلك المؤامرة كان اسماعيل الازهري زعيم (الحزب الوطني الاتحادي) ( فيما بعد الحزب الاتحادي الديمقراطي) بتوافق مع رئيس حزب الامة الصادق المهدي ورئيس الحكومة آنذاك عن حزب الامة محمد احمد محجوب, الا ان الدور الاشرس في الشارع كان من نصيب د. الترابي و (جبهة الميثاق) لقد رأى الترابي في هذا الاجماع الحزبي ضد الحزب الشيوعي فرصة لن تتكرر للقضاء عليه قضاء مبرما فلعب الدور القيادي في تصعيد الحملة ضد الشيوعيين فقاد مظاهرات في الشارع والقى خطبا نارية في البرلمان واستثمر تخصصه الاكاديمي كخبير في القانون الدستوري لاقصى حد في اخراج صياغة التعديلات التي اجريت على نصوص الدستور لتقنين حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان والتحوط ضد احتمال عودته الى الحياة السياسية. وفي حمأة المعركة المعركة الرهيبة ضد الشيوعيين نسي الترابي القاعدة الاساسية في العمل السياسي: (لكل فعل رد فعل بحجمه وتأثيره) .