عندما هاجر المواطن الجزائري (اسماعيل زيدان) تاركاً مدينته (بجاية) ميمما صوب الشمال الى فرنسا, ولم يكمل السادسة عشرة من عمره بعد, لم يكن ليدر في خلد هذا المراهق الجزائري الفقير انه سيأتي يوم يهتف فيه ملايين الفرنسيين باسم احد ابنائه, وأن الرئيس الفرنسي سوف يقف له أمام قصر الأليزيه فاتحاً ذراعيه ومن ثم يقلده وسام الشرف ثم تحتل صوره وبالحجم الطبيعي جدران باريس وكبريات المدن الفرنسية لكن هذا ما حدث بالضبط لنجم المنتخب الفرنسي زين الدين زيدان. الذي حمل فرنسا ليضعها على قائمة العالم في نهائي مونديال فرنسا 1998. زيدان الشقيق الاصغر لخمسة اخوة, يحتل اليوم قائمة لاعبي كرة القدم, وقد كتبت فرنسا اسمه بعد المونديال مباشرة على قوس النصر بعبارة تقول:(زيدان.. الرئيس) ليكون ابن المهاجر الجزائري الوحيد الذي نال من مستعمريه القدامى كل هذا التقدير.. لكنه هو وبرغم انه ولد هناك ويحمل الجنسية الفرنسية, وتزوج من (فيرونيك) الفرنسية.. الا انه عندما سئل عن سبب عدم ارتدائه لوسام الشرف الذي قلده إياه الرئيس شيراك يجيب:اخشى ان يضيع ولذلك اضعه في مكان أمين, بينما يصر اصدقاؤه المقربون على انه لا يحب ان يحمل وساماً من دولة استعمرت ذات يوم أرض آبائه واجداده. لقد اصدر زيدان كتاباً عنوانه (الاصدقاء اولاً) بعد انتهاء مونديال فرنسا فيه الكثير عن حياة هذا اللاعب المنحدر من اصل جزائري والذي نشأ على مبادىء غاية في الانسانية والتحضر لعل اهمها ما يكرره والده دائماً بأنه لا أهمية لان يكون المرء مشهوراً او بطلاً, المهم ان يعرف كيف يحترم الآخرين, وان يكون له عمل يعيش منه. لقد عمل والد زيدان حارساً لاحد محلات الاغذية في مرسيليا وينتمي في النهاية لذلك الجيل الذي كرس عمره للعمل وتربية الابناء ولذلك فهو يعرف قيمة عرق الانسان ويدرك اي كارثة في ان تكون عاطلاً! ومن هنا تأتي القيم ويتم توارث الافكار والمبادىء, ان زيدان الذي فتحت له ابواب الشهرة على مصراعيها وتهافت عليه منتجو السينما ودور الأزياء وشركات الدعاية, حدد موقفه بوضوح قائلاً:انا لست فناناً ولا عارض أزياء أنا لاعب كرة قدم محترف ولا أجيد اكثر من ذلك. لكن زيدان قام بالدعاية لمخازن تبيع البضائع الغذائية بأسعار متدنية!! وعندما سئل عن السر قال:(قمت بهذا الاعلان اكراماً لعيني والدي الذي أفنى سنوات شبابه حارساً لدى هذه المحلات) . زيدان هذا يرفض دعوات الجمعيات الانسانية والخيرية الفرنسية التي يستقبل بريده منها رسائل كثيرة تدعوه للتبرع والمشاركة في أنشطتها ولا يحب هذه الرسائل على الاطلاق, لكنه لا يخفي سعادته برسائل كثيرة تأتيه من شباب جزائريين يعتبرونه رمزاً للنجاح ومثلاً اعلى لهم. عندما طالعت ما كتب حول هذا البطل لم أستغرب ان تحتل الكتب التي تتحدث عن حياة اللاعبين في الغرب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً, لكن ولاء زيدان لبلده الذي لم يزره سوى مرة واحدة (عام 1985) يدعو للتساؤل, ويذكر بقول الكاتب الليبي ابراهيم الكوتي:(تدفع الاوطان أبناء الى المنافي, فيدفع لها الابناء لقاء المنفى حباً, وتحنو الاوطان على أبناء فيدفع لها الابناء لقاء الحنان كرها).