لم يأت التحرك المشترك بين موسكو وبكين وليد اللحظة الراهنة, الذي عبر عنه في لقاء الرئيس الصيني جيانج زيمين والرئيس الروسي بوريس يلتسين في العاصمة الصينية, انما جاء هذا اللقاء الدولي نتيجة موضوعية لتطور العلاقات الروسية ـ الصينة الذي شهدها النصف الاخير من القرن المنصرم, وحسب رأي المراقبين, ان ما جرى من توقيع اتفاقيات بين الجانبين , قد وصل الى اعلى مستوى له, على مدار ثلاثة قرون من النزاعات الحدودية بين البلدين. وقد لا نتعارض أو نقلل من التوقعات الكثيرة التي كبرت بل وعظمت من حجم الخطوة الصينية ـ الروسية على المستوى الجغرافي ـ الاقتصادي, بقدر ما نختلف معهم على تفاؤلهم الكبير الذي أبدوه على المستوى السياسي الاجرائي, حيث ذهب البعض منهم مهللا لهذا اللقاء, باعتباره خطوة جادة على المستوى الكوني, هدفه تقويض اركان الرأس الاحادي القطب الذي يحكم العالم, وان هذه الخطوة تأكيد على ان العالم لا يمكن ان يحكم من خلال نظام القطب الواحد, ولاتزال القوى العظمى ومن بينها الصين وروسيا تمتلك زمام المبادرة السياسية والعسكرية والأمنية, على المستوى الكوني. وان هذا اللقاء بداية عهد جديد سيعكس نفسه بشكل ايجابي على كل القضايا والنزاعات الدولية الساخنة وسيحد من التدخلات السافرة التي تنتهجها الولايات المتحدة, وانه سيعيد للمنظمات الدولية وقوانينها هيبتها التي سلبتها اياها امريكا. لكن على ما يبدو ان واقع الامر, يختلف كثيرا عن ما يحلم به هؤلاء, فالصين منذ وقت طويل انكفأت من عامل التأثير والفعل السياسي والعسكري على المستوى الدولي, واكتفت بأن تكون عضوا مراقبا في مجلس الامن علما انها من بين الدول الخمس الدائمة العضوية, وانها لم تجرؤ يوما على استخدام حق الفيتو, وغالبا ما تلوذ بموقف وسطي يتوافق مع مصالحها الذاتية, حتى ايام الحرب الباردة وبالتحديد بعد انسحاب امريكا من فيتنام, كانت ترى في نفسها بائعا جيدا للاسلحة ليس الا, وارتضت لنفسها ان تكون تاجرا نشطا يسعى لتأمين نظام الكفاية على المستوى الداخلي, من خلال التوفيق بين علاقاتها الخارجية, اي انها عملت ولا تزال على ان تكون شريكا اقتصاديا للغرب دون فرض شروط او اتاوات على هذا الشريك على المستوى السياسي او الايديولوجي, خاصة وانها لا تزال تحمل الافكار والمبادئ الشيوعية, بل بالعكس تماما غالبا ما تنازلت عن كثير من قناعاتها لقاء فتح طلاقة اقتصادية لها فيما يسمى مناطق نفوذ الغرب في العالم, بالاضافة الى انها اقامت علاقاتها مع دول العالم الثالث قاطبة على اساس من المصلحة الضيقة التي تدر عليها الارباح المباشرة دون ان تقدم أي التزامات سياسية ـ امنية, لأحد من هذه الدول, حيادا عن معاناتها التي تتلقاها من الاطراف الدولية, سوى ما يقع على حدودها المتاخمة التي تؤثر عليها سلبا, وبالتحديد ما يؤثر على أمنها القومي. واعتبرت ان سور الصين العظيم هو مناطق نفوذها, ودون ذلك لا يمكن ان يقع في حيز استطالتها السياسية والجغرافية او حتى في حين اهتماماتها. ولعل الاتفاق التجاري الصيني ـ الامريكي الذي وقعه الطرفان مؤخرا لهو دليل قاطع على هذه السياسة النفعية التي تنتهجها بكين وانها تسعى لتبوء المركز الاقتصادي الثاني على المستوى العالمي بعد الولايات المتحدة الامريكية, دون النظر الى البعد السياسي الامني على المستوى الدولي. اما ما يخص الروس فقد تكون المصيبة اعظم, فروسيا وبشكل ارادي واع قوضت امتداداتها على المستوى الدولي, وتنازلت للغرب عن معظم مناطق نفوذها بما في ذلك استطالتها الاوروبية بداية من الجمهوريات الخمس الاوروبية التي ضمتها الى الاتحاد بعد الحرب العالمية الثانية, والتي كانت من ضمن دول الاتحاد السوفييتي السابق, مرورا بالدول الاوروبية الشرقية التي شكلت معها لسنوات طويلة منظومة الدول الاشتراكية, وانتهاء بيوغسلافيا التي قسمت واصبحت منطقة نفوذ لحلف شمال الاطلسي, اي انها ادخلت الدب الى كرمها حسب ما يقول المثل الشعبي, لتعود الى التحالف مع الثعلب الصيني, عله يقدم المشورة او يساعدها على اخراجه من كرمها المتهالك وشبه المدمر من الداخل. والذي يشهد ثورات قومية استقلالية وصراعات دموية حادة قد تودي بمستقبل ما تبقى مما يسمى بالاتحاد الفيدرالي الروسي ودول رابطة الدول المستقلة, والتي تشهد هي الاخرى غزوا متسارعا من دول الغرب, بسبب الثروات المذهلة الموجودة في اراضيها بما في ذلك النفط. وعلى ما يبدو ان العلاقة الروسية الصينية المستجدة, والتي توصلت الى ترسيم الحدود بين البلدين, تعتبر أخف وطأة من الشروط المذلة التي تضعها الولايات المتحدة على روسيا, وان هذه الخطوة تأتي في مجملها الى اصرار حكومة موسكو وبكين على اثبات مدى قوتهما في الحفاظ على ما تبقى لهما من هيبة دولية. فبالنسبة الى روسيا تجد ان ثمة خطوة غربية تهدف الى اخضاع المجال الجوي فوق البلقان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى للاشراف عليها في وقت قريب, ووفق خطة وضعت قبل اعوام ومن المعروف ان منطقة بحر قزوين بما فيها جنوب القوقاز وجميع بلدان آسيا الوسطى اصبحت ضمن مجال مسئوليات القيادات الاقليمية للقوات الامريكية منذ عام 1998م, وطبقا للتقارير فقد تم تشكيل مجموعة العمل المكلفة لتشكيل هيئة للسيطرة على المجال الجوي كما اسلفنا. كما تم اشراك جورجيا ومولدافيا في تنفيذ خطة الولايات المتحدة وحلف الناتو بحلول عام 2000. اما فيما يخص الصين فالصين مشرفة على صراعات عرقية ودينية, وقد ثبت بالملموس ان الولايات المتحدة والغرب تعمل جاهدة على تغذية هذه النزعات الاستقلالية, من اجل اختراق المجتمع الصيني واضعاف هيبة النظام الكارزمي الحاكم, عبر حركات الاقليات الاحتجاجية, والتي تتمركز في هضبة التبت, بالاضافة الى العمل الجاد من قبل الولايات المتحدة الهادف الى اقامة نظام مضاد للصواريخ في اقليم تايوان, لمنعه من الانضمام الى الصين البلد الأم, وبعض الدول المتاخمة الآسيوية. ومن نافلة القول ان هذه الخطوات المتسارعة جدا ضد الصين وروسيا, تعتبر تدخلا سافرا في شئون الدول الداخلية, والمس بسيادة الدول المستقلة او الاساءة اليها, حسب البيان المشترك الذي أعلنه الطرفان. وانه لا بديل للطرفين الا بايجاد تحالفات وصيغ قد تخفف من حجم الخسائر التي تلحق بهما, وان هذه الخطوة تأتي في اطار سياسة بناء المثلث الاستراتيجي الذي سعى الروس منذ وقت ليس بالبعيد من أجل تشكيله, لكن على ما يبدو ان الهند قد تخلت كليا عن هذا المثلث, وباتت ترى في الغرب الحليف الاستراتيجي بعد ان تبنتها الولايات المتحدة الامريكية كقوة اقليمية في شبه الجزيرة الهندية وما يتاخمها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الاشياء ذاتها, عن ماهية الآليات وقدراتها التنفيذية على الارض بعد كل هذا التشرذم الذي وقع في العالم, وهل الاطراف التي خسرتها روسيا, لاتزال جاهزة في الانخراط بتحالفات قد تعيد شيئا من أجواء الحرب الباردة, بالمقابل هل اقتنعت الصين بالخروج من دائرة التاجر النشط الى دائرة الفعل السياسي على المستوى العالمي؟ وهل يكفي هذا التصالح الثنائي لصياغة علاقات دولية متوازنة, بعد ان رجحت وبالكامل كفة الميزان لمصلحة الولايات المتحدة؟ كل هذه القضايا رهن المواقف التي ستتلو الاتفاقات الروسية الصينية الثلاثة. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق