يشكل الاعلان عن استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية في العاصمة الامريكية, نقطة تحول في مسيرة السلام العربية الاسرائيلية, كان الاعلان الذي جاء على لسان الرئيس كلينتون مفاجئا للمراقبين, اذ لم يتوقع احد ان تتكلل مهمة اولبرايت الاخيرة في سوريا واسرائيل عن شيء جديد وحاسم, والاهم في التطور الجديد ان رئيس الوزراء الاسرائيلي اضافة الى وزير الخارجية السوري افتتحا هذه المفاوضات. ومن الواضح ان الرئيس الاسد لن يحضر الا في المراحل الاخيرة والحاسمة والقريبة من التوقيع ومن الطبيعي ألا نتوقع شيئا حاسما قبل الخريف القادم اي قبل نهاية عهد الرئيس كلينتون. وكما تعلمنا التجربة التفاوضية العربية, سوف تكون هذه المفاوضات متعربة, وستسودها الكثير من الاختلافات وبالونات الاختبار.. فهناك بطبيعة الحال مصالح متصادمة سوف تؤخر وتعرقل مرحليا عمل المتفاوضين, فسوف يسعى كل من الجانبين الاسرائيلي والسوري لتحقيق اكبر مكاسب ممكنة واقل تنازلات ممكنة, وهذه معادلة صعبة التحقيق. لهذا فسوف تقابل التنازلات في احدى المسائل بمحاولات لتأمين مكاسب واضحة في جوانب اخرى بمعنى اخر لن يكون الانسحاب الاسرائيلي من الجولان عملا خيريا اسرائيليا بل سوف تسعى اسرائيل لترجمة كل نقاط قوتها الى مكاسب في التفاوض وبنفس المناطق لن تكون الرغبة السورية في انجاز السلام هي الاخرى محبة بالسلام مع عدو صارعته سوريا على مدى اكثر من خمسين عاما, بل ستحاول سوريا ترجمة نقاط قوتها الى مكاسب تفاوضية ومن اهمها حاجة اسرائيل للامن وحاجتها للانسحاب من لبنان ولفتح بعض النوافذ في العالم العربي. هناك احتياجات ومتطلبات لكل طرف وسوف يكون الاصرار عليها وتلبيتها اساسيا لنجاح المفاوضات. ان هذه الارضية تجعل الدور الامريكي اساسيا لاستمرارية المفاوضات ووصولها الى نهاية ايجابية وسوف يكون الدور الامريكي رئيسيا في عملية تطبيق الاتفاق ومراقبته على المدى البعيد. وستتميز هذه المفاوضات بوضوح خطوطها العامة واهدافها.. فاسرائيل تبحث اساسا عن مبادلة معظم الجولان المحتل مع اجراءات امنية تحسن جديا من الوضع الامني والعسكري الاسرائيلي وتخفف من الاعباء الامنية على الجيش الاسرائيلي, في هذا المجال نجد ان اسرائيل تبحث عن حل امني وانذار مبكر ودور امريكي حاسم في منطقة الجولان مما يساعد اسرائيل على ابعاد الدبابات والقوات السورية عن حدودها الشمالية الى ابعد حدود ممكنة, كما يتداخل هذا مع انهاء الصراع في جنوب لبنان من خلال انسحاب اسرائيلي وضمانات امنية.. ان المنطلق الاسرائيلي هو التأكد من الضمانات واخذ افضلها مقابل التخلي عن الجولان. هذا هو الهدف الاول لرئيس الوزراء باراك. بمعنى آخر ان باراك سيسعى لاتفاق يعتبره الجيش الاسرائيلي بمصلحته ولصالح الامن الاسرائيلي. اما الهدف الاسرائيلي الثاني الذي يلي المسألة الامنية فمرتبط بتخفيف حدة الخطاب السياسي السوري تجاه اسرائيل وبالعمل على ايجاد علاقات وسفارات وتبادل مصالح, اضافة لاسقاط الفيتو السوري على العلاقات مع اسرائيل في العالم العربي, ولن ننسى بطبيعة الحال هدف باراك من رفع مستوى العلاقة الامريكية الاسرائيلية, ان اسرائيل في هذا تبحث عن سلام يؤمن لها حدودها ويؤمن لها دورها ووضعها الاقليمي. اما بالنسبة لسوريا, فهدفها الرئيسي هو استعادة الجولان كاملا, ولكنها ايضا تبحث عمن يساعدها على احداث نقلة اقتصادية وانفتاحا يساعدها على مواجهة اعباء المرحلة القادمة, وتشير الكثير من التحاليل الى ان الرئيس السوري وجد في هذه المرحلة الفرصة للتحرك, فهذه الفترة تتميز بقرب نهاية عهد الرئيس كلينتون (انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل) وبوجود رئيس وزراء اسرائيلي يرى ان السلام في مصلحة اسرائيل, كما تتميز المرحلة بحاجة سوريا للانتقال الايجابي في قضايا الاقتصاد والتنمية, وتتميز ايضا بمحاولة سوريا تخفيف الاعباء التي يفرضها الصراع مع اسرائيل, كما تتميز بأن الرئيس الاسد هو الوحيد القادر في سوريا على انجاز سلام وذلك نظرا لدوره في الصراع ولوزنه السياسي بالمحصلة تتوفر الان الارضية لبدء المفاوضات وتتوفر الارضية لانجاز سلام, لكن في الوقت نفسه لا توجد ضمانات كاملة لنجاحها فهذه خطوة في طريق صعب قد تتخلله الكثير من المفاجآت. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت