ما هو مصير مشروع التصالح الوطني في السودان في ضوء ازمة الحكم المتفاعلة بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان والتي بلغت ذروتها في حزمة قرارات اتخذها الرئيس البشير ابرزها حل البرلمان واعلان حالة طوارئ ودعوة الى انتخابات جديدة؟ولئن كان التصالح الوطني ضرورة في كل الاحوال فانه الان يصبح الخيار الاوحد الذي لا بديل عنه في هذا الظرف الراهن الدقيق الذي يتميز بتشتت الكلمة وانشقاق الصفوف على صعيدي الحكم والمعارضة في آن معا. فبالرغم من ان الرئيس البشير يظل يتمتع بكافة صلاحياته فان السلطة انشقت عمليا بانشقاق قاعدتها التنظيمية الى فريقين يتربص كل منهما بالاخر. اما على صعيد المعارضة فلم يعد ممكنا الحديث عن كيان جماعي موحد باسم (التجمع) بعد ان خرج عليه اكبر فصائله واهمها (حزب الامة) بزعامة الصادق المهدى مما ادى الى فرز علني بين الفصيلين الكبيرين الاخرين: (الحزب الاتحادي الديمقراطي) كحليف لمصر, وحركة قرنق كحليف للولايات المتحدة. في مشهد مضطرب كهذا ليس هناك مخرج سوى الرجوع الى الشعب السوداني ليمارس خياره عبر صندوق الاقتراع. بدعوته الى انتخابات عامة اتخذ الرئيس البشير الخطوة الاستهلالية الصائبة والحكيمة في هذا الاتجاه, رغم انه لم يقطع موعدا محددا للعملية الانتخابية. ومما يدعم صوابية وحكمة هذه الخطوة انه تعهد لفصائل المعارضة بعدم المساس بحريات التعبير والتنظيم من ناحية وبالمضي في مساعي الوفاق الوطني من ناحية اخرى. مع ذلك يبقى سؤال: هل تتجاوب فصائل المعارضة؟ والى اي مدى؟ بالطبع لا ينتظر احد قرارا جماعيا يصدر عن (التجمع) كتنظيم جماعي موحد الارادة والكلمة. فهو افتقد هذه الصفة.. وربما لم تكن لديه اطلاقا في اي مرحلة منذ ظهوره قبل اربع سنوات الا بالمعنى (التكتيكي) الوقتي, وعندما يدلي فاروق ابوعيسى في القاهرة ببيانات او تصريحات متخذا صفة (الناطق الرسمي باسم التجمع) فانه في واقع الامر لا يبث الا افكاره الشخصية او يعبر عن توجهات القاهرة الرسمية. هناك ثلاثة فصائل رئيسية يمكن اعتبارها ذات وزن سياسي يعتد به: حزب الامة, والحزب الاتحادي الديمقراطي وحركة قرنق. اما ما عداها من جماعات ثانوية فيمكن اعتبارها اما فروعا لحركة قرنق او شخصيات بلا قاعدة فاعلة. حزب الامة دخل في عملية تحاور مع الحكومة يمكن ان تفضي الى عودة قيادته لممارسة نشاطه السياسي بالكامل في الساحة السياسية الداخلية.. والحزب الاتحادي الديمقراطي متردد. اما حركة قرنق فان موقفها يرتبط بمرجعية واشنطن واجندتها الافريقية.. وهي اجندة ليس من بينها دفع قرنق الى طريق التحاور السلمي. ان المطلوب في نهاية المطاف هو انتخابات عامة تعددية يشارك فيها اكبر عدد ممكن من فصائل المعارضة في الداخل والخارج. ولكي تكون هذه الانتخابات تعددية بالمعنى الكامل فانه يجب ان تعقد في ظل حكومة قومية تضم ممثلين لهذه الفصائل. لقد انجزت الحكومة خطوات عديدة لتهيئة المناخ التعددي من بينها اطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين ورد الممتلكات المصادرة الى الشخصيات المعارضة مع كفالة هامش من الحريات العامة. غير ان سير الحكومة على هذا الطريق توقف بسبب حالة الشلل التي اصابت جسم (التجمع) بعد ان دخلت فصائله في مجادلات عقيمة حول التفضيل بين المبادرة المصرية الليبية ومبادرة ايجاد افضت بها الى متاهات. وكانت النتيجة ان اصيبت المبادرتان بالتجميد.. فوصلت مساعي التصالح الى طريق مسدود. ان هذا الوضع لا يجوز ان يبقى على ما هو عليه خاصة بعد ازمة الحكم الراهنة, وفي تقديري ان الحكومة يجب ان تأخذ مبادرة من جانبها فتستكمل توسيع الهامش الديمقراطي وتدعو الى تشكيل حكومة قومية تشارك فيها اي فصائل معارضة تستجيب لهذه الدعوة لتشرف على انتخابات عامة ليكون الشعب هو الحكم الفصل.