انتهى المهرجان الخطابي في البيت الأبيض وبدأت واحدة من لحظات المواجهة العسيرة التي طالما شهدتها مسيرة تسوية الصراع العربي ـ الصهيوني, وإذا كانت الحرب هي شكل عنيف من أشكال السياسة كما عرفها الاستراتيجي الشهير (كلاوزفيتز) فإن المفاوضات, خاصة مع اسرائيل هي سياسة أقرب إلى الحرب, وهي مليئة بالمطبات والمخاطر التي لابد من مواجهتها في كل الأوقات . وتصدق هذه الحقيقة رغم كل ما أشار إليه المسئولون الأمريكيون من ان اتصالات كثيرة سابقة بين الأطراف المعنية قد أدت إلى ما يسمونه (الفرصة التاريخية) الراهنة, ورغم كل ما أشار إليه متحدثون رسميون من ان 80% من عملية التفاوض قد تم انجازها بالفعل. ذلك ان ما بقي حتى الآن ليس هينا, وأهمه (الترتيبات الأمنية) حيث يعرف كل من رصد تاريخ التفاوض الاسرائيلي مع العرب ان اليهود يحاولون من خلال مثل هذا العنوان ان يستعيدوا الاحتلال بعد الانسحاب أو قبل اتمامه, وسيسعون تحت حجة الأمن إلى زرع الأسافين بين الأطراف العربية, وإلى محاولة تدمير مفهوم (السيادة الوطنية) وفرض قيود لا يمكن على سبيل المثال على الاطلاق لسوريا ان تقبلها, فضلا عن محاولات المناورة على المسارات الأخرى بهدف تحطيم الروح المعنوية العربية وفرض الهيمنة الاسرائيلية على المشرق العربي كله انسجاما مع طريقة حزب العمل في تحقيق (اسرائيل الكبرى) . نقول ذلك لنحذر ولننبه دون ان يعني ذلك في أي وقت أي تهوين من قوة وإرادة وقدرة المفاوض العربي, وقد أثبتت سوريا بالفعل وفي كل التجارب السابقة قدرتها على خوض (حرب التفاوض) بصلابة ووعي وادراك لأساليب العدو ولأهدافه الحقيقية وبعيدة المدى. لكن ما يجب التنبه إليه ان الخندق السوري يكاد يشكل آخر خنادق الدفع العربية والراهنة ضد المشروع الصهيوني الساعي إلى استراتيجيته التوسعية, (من الفرات إلى النيل) , وبالتالي فليس من المستبعد ان تكون اسرائيل قد خططت للعبة على هذا المستوى من الخطورة, خاصة ان الجانب الأمريكي كان في صف حليفته اسرائيل في معظم مراحل التفاوض. وفي التراث العربي كان الحذر دائما من حسن الفطن.