أصبحت قضية حقوق الانسان في التنقل من اهم القضايا المطروحة على المستويات الدولية والاقليمية والوطنية, وتعاظم الاهتمام بها في الآونة الأخيرة من قبل المجتمع الدولي بأسره.واحتدم الجدل حول ما اذا كانت قضية حقوق الانسان ذات طبيعة عالمية صالحة لكل المجتمعات أم ان لها صفة الخصوصية والنسبية.والواقع ان قضية حقوق الانسان لا تمثل مفهوما عاما مجردا , ولكنها مرتبطة الى حد كبير بأطر فكرية وعقائدية وتاريخية, الأمر الذي يجعل منها قضية عالمية من حيث المبدأ ولكنها تبقى نسبية من حيث التطبيق. وتحرص كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية والاقليمية والدساتير والتشريعات الوطنية, على النص بحقوق الانسان والضمانات التي تكفل ممارستها والتمتع بها دون الانتقاص منها أو اهدارها. وحقوق الانسان وحرياته الاساسية كثيرة ومتنوعة, منها: السياسية, والاقتصادية, والاجتماعية, والثقافية. وقد آثرت انتقاء احدى اهم تلك الحريات وهي حرية التنقل, باعتبارها من الحقوق الاساسية اللصيقة بشخصية كل انسان, والقيود التي ترد على حرية التنقل وتؤثر في ممارسة الافراد لها. وتم حصرها في القرارات الادارية التي تصدرها جهة الادارة, وتتمثل في قرارات الاعتقال والمنع من السفر وتحديد الاقامة. والجدير بالذكر ان اهم وسائل الحماية التي تكفل ممارسة تلك الحرية, هي الحماية القضائية لحقوق الانسان باعتبارها من أنجح الوسائل التي تكفل تحقيق تلك الحماية. والحرية تعني القدرة المطلقة على اتيان أي تصرف أو الامتناع عنه, وإنه يرد على تلك الحرية الواسعة قيدان, الأول مادي: مؤداه عدم الاضرار بما يثبت للآخرين من حقوق وحريات. والثاني: يتبدى واضحا في الالتزام القانوني عند ممارسة الحرية أو الحق الفردي. ولقد تضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان ثلاثين مادة بالاضافة الى الديباجة التي تحدد حقوق الانسان وحرياته الاساسية. وأوضحت المادة (13) (ان لكل فرد الحق في حرية التنقل وفي اختيار محل اقامته داخل حدود الدولة, وان لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده وفي العودة الى بلده) . في الشريعة الإسلامية لقد قررت المبادىء الاسلامية حرية السفر والانتقال من مكان الى آخر وهي اللجوء. واذا كان الاعلان العالمي لحقوق الانسان نص على حق الاشخاص في التنقل والسفر واختيار محل اقامتهم داخل حدود كل دولة, فإنه تعمد اغفال حق الانسان في الدخول الى أية دولة غير التي ينتمي اليها, وذلك رعاية لحق الدول في السيادة على أراضيها وفي منع دخول الأشخاص الذين قد يشكلون خطورة على أمنها أو تهديدا لسلامتها, خلافا للاسلام الذي اعتبر ان الأرض كلها ملك لله وحده أورثها لعباده لينتقلوا فيها بدون قيود وموانع طلبا للرزق, فيكون بذلك قد أقر حق الانتقال من مكان الى آخر تحقيقا لغايات مشروع لقوله تعالى: (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) . وكما قرر الاسلام حق الانسان في الانتقال حيثما شاء وحيثما اراد في هذا الكون الفسيح طلبا للرزق الحلال, فإنه قرر حرية تنقل المسلم في الدولة الاسلامية دون قيود أو حدود, وقد مارس المسلمون هذا الحق عن طريق ممارستهم للتجارة شمالا وجنوبا. كما حث المسلمين على الانتشار في الارض التي جعلها لهم ذلولا ليمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه لأنهم في الآخرة عائدون اليه, وتطبيقا لهذا الحق فإن الاسلام سن العديد من القواعد السلوكية التي تحتم على المسلمين المحافظة على النظام العام والسلوك السوي إبان غدوهم ورواحهم, كإعطاء الطريق حقها من غض البصر, وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن هناك ظروفا استدعتها المصلحة العامة حددت وقيدت من حرية التنقل والسفر في بعض العهود الاسلامية, منها ما كان عائدا الى اسباب صحية صرفة, كنهي النبي (ص) عن السفر الى المناطق الموبوءة بمرض الطاعون, ومنها عائدا للمصلحة العامة كمنع عمر بن الخطاب كبار الصحابة من مغادرة المدينة للاستعانة بهم في ادارة شئون الدولة, ومنها ما كان عائدا للمحافظة على العقيدة وتأمين المعسكر الاسلامي كحظر دخول المشركين مكة وعدم اقامة اهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس بالجزيرة العربية. وكما قرر الاسلام حق التنقل اقر حق اللجوء, وان كان اللجوء السياسي بمعناه العصري لم يكن معروفا زمن الرسول (ص), الا ان الله أقر للمسلمين حق الهجرة واللجوء الى اماكن آمنة تخلصا من الاضطهاد الذي كان الكفار يمارسونه عليهم, وهكذا هاجر المسلمون الاوائل الى الحبشة مرتين هربا من التعذيب والتنكيل, وهاجر الرسول وأصحابه الى المدينة ليتمكنوا من نشر الاسلام في ارجاء المعمورة. وحث القرآن المسلمين على الهجرة طلبا للحرية لقوله تعالى: (ان الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) . وخاطب القرآن المسلمين في العديد من آياته طالبا منهم اللجوء الى أماكن اخرى طلبا للأمان ونجاة من الكفار واستمرارا لحركة الجهاد في سبيله لقوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا ان أرضي واسعة فإياي فاعبدون) . وهكذا فإننا لو استطردنا في ضرب الامثلة والشواهد على اقرار الاسلام لحق التنقل وحق اللجوء, لذهب بنا الاستطراد كل مذهب, ونكتفي بهذه الامثلة الدامغة تدليلا على ان الاسلام قد سبق كافة العهود والمواثيق الحديثة التي نصت على هذه الحقوق. ويظل هذا الموضوع بحيويته ومشاكله حيا متطورا ما بقي الانسان, لأننا لا نواجه مشكلة من مشكلات الفن القانوني, ولا نبحث في قضية فردية, وانما نواجه مشكلة كل المجتمعات حفاظا على الكيان الاجتماعي للشعور العام للمجتمع. وانني لم أسمع من قبل وما أحسب ان أحدا غيري قد سمع ان انحرافا غلب استقامة, او ان خيانة قهرت امانة, او ان غشا قد هزم شرفا, او ان قسوة صرعت رحمة. وصدق الله العظيم اذ يقول في كتابه الكريم: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) . * الادارة العامة للكليات والمعاهد ـ شرطة دبي