اجيال الشباب كما أكدت البحوث الحديثة ينزعون الى مقارفة النص المكتوب لصالح التكنولوجيات الناطقة أو المرئية. ومع شيوع البريد الإلكتروني الذي سيكون ناطقا بالصوت, سوف يستغنى الشباب بالتدريج عن البريد الإلكتروني المطبوع . في مثل هذه الأيام منذ 5 أعوام, ديسمبر عام 1994 أصدر كاتب السطور كتابه المعنون (القرن الحادي والعشرون: الوعد والوعيد) وكان الكتاب كما تصورناه حلقة في سلسلة المؤلفات العربية التي تدعو قومنا في وطن العروبة الكبير الى النظر الى الأمام بأكثر من الالتفات الى الخلف, أو كما عبرت مقدمة كتابنا.. أن يعي العرب أن فعل (كان) هو فعل ماضي ناقص وأن كان لها أيضا أخوات ينبغي وضعهم في اعتبار العقل والاهتمام العربي المعاصر أخوات من مثيل صار واصبح وأمسى. في الفصل الخامس من كتابنا .. تطرقنا للحديث عن كائنات الذكاء الاصطناعي وهي أيضا كائنات السوبر ذكاء وتوقفنا عند حكاية الكائن الالكتروني المحوسب (الذي يتم تشغيله بواسطة الكمبيوتر أو الحاسوب) وهو الربوت الذي تصورنا وهو ما سجلناه في كتابنا أنه سيرافق الإنسان في حياتنا البشرية مع مطلع القرن الحادي والعشرين, وما كنا ساعتها لنرجم بالغيب وما ينبغي لأحد أن يعقل أن ننقل الى قومنا من منظور الدرس والاستيعاب والتحليل حصيلة تلك التيارات المائجة من التفكير والعمل المستقبلي في الولايات المتحدة حيث كنا نقيم ونعمل في تلك الأيام , وحيث القوم هناك, وخاصة المجتمع العلمي ومؤسسة الاكاديميا مشغولون وهم لايزالون بالمستقبل, يستشرفون آفاقه ويضعون سيناريوهات شتى لأشكال الحياة والكسب والإنتاج والبنى الاجتماعية والعلاقات الدولية المحتمل قيامها في إطاره, وخاصة مع دخول العالم زمن الألفية الثالثة التي انشغلوا بها منذ عقود من الزمن, وكان انشغالهم الذي تابعناه يتوسل بأساليب العلم الموضوعية ويستخدم حاسبات التنبوء والإسقاط الرياضية .. منها ما جاء دقيقا ومصيبا ومنها ما لايزال قيد الاختبار والتمحيص. الاستشراف كان مقصدنا المهم أننا حين أوردنا في الكتاب المشار إليه حديثا عن إمكانيات التواصل الصوتي والكلامي اللغوي اللساني بين الإنسان والحاسوب أو الربوت. كان الحديث يصدر عن منطق استشراف احتمالات المستقبل .. مجرد احتمالات كنا نتصور موضوعيا أنها من وعود مستقبل, وما كنا نتصور عليم الله أن لن تنتهي آخر سنوات هذا العقد التسعيني إلا وتكون البشرية قد توصلت الى حكاية التخاطب والتفاعل الصوتي بين الإنسان والحاسوب. غروب شمس النص ولقد ألمحنا في مقال الخميس الماضي (9/12/1999) الى تطوير وإنضاج تكنولوجيا التعرف الصوتي, ومن خلالها يمكن للإنسان أن يملي على الحاسوب رسالة أو مذكرة أو تقريرا أو مقالا فإذا به يتسلمه مكتوبا مطبوعا أربعة وعشرين قيراطا كما يقولون وما على البشر سوى أن يراجع المكتوب أو المطبوع وقد يجري عليه بقلمه ما يعن له من تحرير أو تحوير أو تدقيق وبعدها يصبح النص المطبوع جاهزا لكل استخدام والحاصل أن هذا النمط من أنماط التكنولوجيا الحاسوبية أصبح الآن قيد التطوير كي يخطو به القوم شوطا أبعد وأروع وعودا لن يقتصر الأمر على مجرد تحويل الكلام المنطوق إلكترونيا الى نص مطبوع أو مكتوب, ولكن سيؤول الأمر الى التعرف الصوتي على المفاهيم والمعاني والأفكار, فلا يصبح الحاسوب مجرد ناسخ أو سكرتيرة تطبع ما يملى عليها, بل يصبح كائنا متفاعلا وليس مجرد مطيعا, أو ناسخا , سوف يفهم الأوامر أو التعليمات أو الطلبات الصوتية الموجهة إليه.. ويقوم بين غمضة عين وانتباهتها بتلبية تلك الأوامر أو التعليمات أو الطلبات.. وأكثر من هذا قد يلبي ما يروق لك أن تمليه مترجما اياه للغة أخرى وبصورة أتوماتيكية أيضا. تكنولوجيا الفيفو نحن إذن بازاء تكنولوجيا جديدة يعرفونها اصطلاحا باسم (في فو) وهو اختصار على الطريقة الان جلو أمريكية لعبارة صوت داخل ـ صوت خارج, وقد نصطلح عليها لزوم تسهيل إيجاد مرادف عربي لها على أنها صوت الى الحاسوب واستجابة من الحاسوب أيضا, ومن ثم فقد نصطنع لها عبارة خرافية ولو على سبيل مؤقت وهما: صولي صو من .. والله أعلم . ولقد بدأ العالم يتسامع عن هذه التكنولوجيا الصوتية المحوسبة ـ المستخدمة لإمكانات الكمبيوتر منذ نحو عشرين عاما.. يومها نشر البروفيسور بيتر وجشال الأستاذ في جامعة ماسا شوسيتس الأمريكية دراسته التي استحوذت على اهتمام المستقبليين وكان عنوانها: (الأميون يحصلون على الدكتوراه : مستقبل التعليم في العصر الالكتروني) كان ذلك في أغسطس 1978 وانطلقت الدراسة من واقع ما تطورت إليه الوسائل الإلكترونية وما عساه منظور إليه, وقد فعلت خلال سنوات العقدين السابقين وقد تصور العالم الأمريكي (وجشال) أن هذا التطور في تكنولوجيات الحواسيب المرئية والمسموعة سوف يجعلها تحل محل مهارات القراءة والكتابة المطلوبة بداهة كوسيلة لا غنى عنها في مجال التربية والتعليم لدرجة تمادي معها صاحبنا في تصوراته الى حد أن قال (ان الجامعات في نهاية المطاف سوف تمنح درجات الدكتوراه لطلابها ممن لا يجيدون القراءة .. كيف لا وأنا أتصور (يضيف البروفيسور الأمريكي ) أنه عندما يصل طفلي البالغ الآن من العمر أربع سنوات الى سن البلوغ فلن يكون ثمة ضرورة تقتضيه أن يكون قادرا أو متمكنا من مهارات القراءة أو الكتابة أو الحساب. بعد 20 سنة وغني عن القول أن هذا الذي تصوره البروفيسور وجشال لم يحدث بعد, وأن ابنه البالغ الآن 24 سنة تقريبا مازال بحاجة الى أن يعرف مهارات الاتصال التربوية التعليمية من قراءة وكتابة وحساب ولو كان الابن قد اتبع رؤية والده أو لو كان الأب قد أنشأ ابنه وفق هذه الرؤية التي كانت مستقبلية, لكان معنى هذا بعيد الشر أن الابن هو الآن أمي أو شبه أمي , وهو أبن بروفيسور عالم ومستقبلي الاتجاه أن يعمل جرسونا في أحد مطاعم الوجبات السريعة أن لم يكن في مهنة (غسول الصحون) . من وإلى الحاسوب مع ذلك لابد وأن نعترف, كما يؤكد عالم أمريكي آخر من الاختصاصين في هذا المجال أسمه دان جونسون أن المسألة مازالت مطروحة على جدول أعمال الاهتمامات البشرية في زمننا الراهن مطالع القرن الحادي والعشرين يقول جونسون: رغم أن المستقبل الذي تصوره (وجشال) لم يتحقق بعد, إلا أن المسألة مازالت تراود خيالنا, والنص المكتوب سيظل محل اختبار موضوعا على محك الأخذ والرد بحيث يكون عرضة للإلغاء أو الاستغناء عنه في يوم من الأيام , وذلك في ضوء تطور تكنولوجيا (الفيفو) (لا تنس أننا اصطنعنا لمعناها عبار ة خرافية في عربيتنا الشريفة هي عبارة صولي صو من ومؤداها صوت إلى صوت من بمعنى صوت الى الحاسوب يصدره (سيده) البشري بأوامر وتعليمات وصوت (من) الحاسوب يشكل استجابة من جانب هذا الكمبيوتر الى تلك الأوامر والتعليمات. أن هذه التكنولوجيا من التواصل أو التفاعل عن طريق التعرف الصوتي بين الإنسان والآلة كفيلة بأن تهيئ لنا سبل طرح الأسئلة على (حاسوبنا) وتوقع أن يوافينا (المحروس) على الفور بشافي الجواب .. قد نستطيع مثلا أن (نتحادث) مع سيارتنا التي تصدر أصواتا من قبيل التحذير بأن مستوى الوقود منخفض في الخزان, أو قد تضبط لنا ساعتنا أو قد تقترح علينا مطعما جيدا نرتاده وقت الوصول بغير أن نصدع أدمغتنا في التفكير أو الاختيار. كل هذا يضيف دان جونسون: أمر ممكن وقد دخل حيز الاحتمال القريب من خلال الفيفو تكنولوجيا التعرف, ومن ثم التعارف الصوتي بين الحاسوب ( أو الروبوت) وأخيه الإنسان لكن كل هذا أيضا لن يلغي من حياة البشر ضرورة إجادة مهارات القراءة والكتابة لماذا ؟ لأننا نقرأ بأسرع مما نسمع, ونفهم حين نقرأ بأفضل مما نفهم حين نصغي. ثم أن مهارات القراءة والكتابة, على مدار التسعة أو العشرة آلاف سنة التي مارسها فيها الإنسان تطورت ونضجت مع تطور الحضارات البشرية ونضجها فتجاوزت مجرد كونها مهارات للتواصل أو التعليم أو التعلم, بمعنى إشارات ومستودعات للمعلومات ولاسترجاع المعلومات الى حيث أصبحت شيئا آخر: * الكتابة تطورت من مجرد أداة لتسجيل الأفكار, لتصبح وسيلة ناجعة لتوليد الأفكار وصقلها وتعميقها * القراءة لم تعد مجرد وسيلة للاطلاع على المعارف بل أصبحت وسيلة للتشويق والمتعة بحد ذاتها, وهي وسيلة يستطيع كل قارئ أن يفصلها ويكيفها على قدر إمكاناته وظروفه ومشاربه بل يستطيع أن يستخدمها بالسرعة التي يختارها .. ما بين الاطلاع على كامل النص, وما بين تصفح فقرات من النص, وما بين الاستغناء عن فقرات بل وصفحات أخرى. بعودة الى الأمية على الجانب المقابل من نفس القضية يطالعنا صوت أستاذ آخر من عتاة وأحيانا غلاة المتخصصين في هذا المبحث, هو ال بروفيسور ويليام كروسمان ا لذي نشر مؤخرا وهو فيلسوف مستقبلي وهو مؤسس معهد "كوم سبيك" بالولايات المتحدة حيث ازدهار الدراسات المستقبلية, والمعهد المذكور معني بما يمكن أن نسميه (استنطاق الحاسوب) بمعنى تط وير لغة الخاطب بين الإنسان والك مبيوتر. نشر البروفيسور كروسمان دراسة مهمة تحت عنوان رئيسي يقول: العصر القادم (الوشيك) للحاسوب الناطق ومحور أفكاره هذا البحث يدور حول أن اللغة المكتوبة كانت تكنولوجيا أجدادنا (في مصر القديمة أو العراق القديم .. سيان) لزوم حزن واسترجاع المعلومات. لكن حواسيب التعرف الصوتي التي بدأت تدخل سوق العمل والثقافة في زماننا سرعان ما سوف تقوم بهذه المهمة في التخزين والاسترجاع بصورة أكفأ وأسرع مما يجعل الإلمام بالقراءة والكتابة أمرا من نوافل الحياة .. بل يجعله أمرا تجاوزه الزمن. * كاتب سياسي مصري