هل البشير والترابي هما (خاتمي) و(خامنئى) السودان على التوالي؟على السطح تبدو الازمة المتفاعلة بين الرئيس عمر البشير والدكتور حسن الترابي وكأنها مجرد تنازع سلطات دستوري بين مؤسستين في نظام الحكم: رئاسة الجمهورية او السلطة التنفيذية التي يقف على رأسها البشير, والبرلمان الذي يرأسه د. الترابي . وعلى السطح ايضا ربما تبدو المشكلة ايضا كتنافس شخصي لكن للقضية جذورا تحت السطح تجعل منها مشكلة خطيرة بأعلى درجات الخطورة. منشأ الاشكال هو مجموعة من تعديلات على الدستور بادر بها د. حسن الترابي كمقترحات معلنا عزمه على عرضها على البرلمان ليبت فيها, وهذا لم يكن امرا تشريعيا عاديا لان د. الترابي نفسه كان في مقدمة المشاركين في مسودة الدستور اصلا وفي مقدمة من أجازوه, فما الذي استجد حتى يفكر في ادخال تعديلات عليه ولما يبلغ عمر الدستور شهورا معدودة؟ الاجابة على هذا السؤال تتضمنها التعديلات المقترحة نفسها والمرمى من ورائها فالهدف هو خلق منصب دستوري جديد لرئيس وزراء بصلاحيات حكومية كاملة عن طريق نزع صلاحيات من رئيس الجمهورية والغرض هو التمهيد لعودة السيد الصادق المهدي زعيم اكبر فصيل معارض حتى يتمكن من المشاركة في السلطة كرئيس حكومة بصورة فاعلية لا على اساس شكلي او رمزي. ويبدو ان هذا هو ما جرى الاتفاق عليه مسبقا بين د. الترابي والصادق المهدي عند التقائهما في جنيف قبل اقل من عام. ولم يكن امر التعديلات الدستورية المقترحة سرا.. فقد ظلت مثار مناقشات وتعليقات علنية ودخل الرئيس البشير كطرف في المناقشات غير انه لم يبد معارضة صريحة للتعديلات, اكتفى فقط بطلب تأجيل عرضها رسميا على البرلمان لصالح المزيد من المناقشات الودية. ومن خلال ما جرى في مساجلات نقاشية ومناورات على صعيد الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) ظهر ان هناك قسما من ابرز شخصيات الحزب يتخذ موقفا معارضا للتعديلات الدستورية. الآن وبحركة استباقية اتخذ الرئيس البشير تدابير دستورية رسمية هذا الاسبوع كان في الواضح انها تستهدف اجهاض تحرك البرلمان نحو اجازة التعديلات وهنا يطرح سؤال مفتاحي: هل كان تحرك رئيس الجمهورية اصالة عن نفسه فقط كرئيس يرفض المساس بصلاحياته الرسمية ام كان ايضا نيابة عن الجناح المعارض داخل الحزب الحاكم؟ اغلب الظن ان البشير تصرف نيابة عن الجناح المعارض بالدرجة الاولى وهنا مكمن الخطورة لان معنى هذا ان هناك انشقاقا وسط (الجبهة القومية الاسلامية) يعكس بدوره انشقاقا داخل بنية مؤسسات واجهزة السلطة من اعلى مستوى الى ادنى مستوى ـ بما في ذلك مؤسسة القوات المسلحة واجهزة الامن. ولمدى سنين كانت هناك تكهنات تظهر حينا وتختفي حينا بشأن انقسام داخل صفوف (الجبهة) بين من يصنفون بمتشددين ومن يصنفون بمعتدلين, على غرار ما يجري في ايران بين الاصلاحيين والمحافظين لكن يبدو انه انقسام لم يتخذ ابعادا خطيرة ليتحول الى انشقاق واضح. بوادر الانشقاق ظهرت مؤخرا قبل بضعة شهور مع انطلاقة جهود الوفاق بين الحكم والمعارضة وتصاعد هذه الجهود الى ان اثمرت جزئيا بتصالح مبدئي مع زعيم (حزب الامة) الصادق المهدي ومما يروى في هذا السياق ان هناك جناحا يرفض مشروع الوفاق مع المعارضة وان هذا الجناح يتزعمه علي عثمان محمد طه باعتباره الشخصية القيادية الثانية في تنظيم (الجبهة) ويبدو ان الرئيس البشير بدخوله معركة ضد البرلمان ورئيسه انما يعبر عن توجهات الجناح المعارض في التنظيم اما التقاء البشير مع المهدي وابرامه (اعلان مبادىء) معه فيراه بعض المراقبين كمناورة وقتية تهدف الى منع اي انطباع بان الجناح المعارض يعمل على تعويق مشروع الوفاق. ان هذه تكهنات مبنية على شواهد غير مكتملة وليست احكاما جازمه. ولذا فان الافضل التريث لايام واسابيع حتى يتبين ما اذا كانت ليال في الزمان حبالى.