معروف عن الغربيين شغفهم بالشرق وحضارته وفلسفته, ومعروف عن هذا الشرق اغراقه في الحكمة القائمة على الفلسفة الى حد كبير.واتذكر جيدا ذلك الاستاذ الامريكي الذي كان يدرس اصول علم النفس والتربية في واحدة من اشهر الجامعات الامريكية وكيف قرر بشكل مفاجىء ان يهجر كل شيء ويتجه صوب الشرق . لقد سأل هذا الاستاذ مرة طلابه في الفصل: اذا ما اشتعلت النيران في المبنى الذي تقطنون فيه فأي شيء ستحاولون انقاذه او الالتفات اليه اولا؟ وكم كانت صدمته حين سمع اجاباتهم! لم تكن صدمته بطلابه فقط, لقد كانت الصدمة نتيجة هذا الاكتشاف المفاجىء لاساس الحضارة التي يعيشون تحت ظلالها مطمئنين متفاخرين, بينما هم في الحقيقة يعيشون فوق برميل من البارود او فوهة بركان يبدو في ظاهره خامدا بينما الحقيقة عكس ذلك تماما. لقد قال له احد الطلاب سأجري خارجا بعد ان احمل كلبي معي! وقالت طالبة: سأفتش سريعا عن مجموعة طوابع البريد الثمينة التي احتفظ بها؟ وقالت اخرى: ساحمل معي وبسرعة تلك اللوحة النادرة التي اقتنيتها من احد المزادات بسعر باهظ. وقال آخر شيئا مشابها. تذكر استاذ التربية ان احدا من هؤلاء لم يقل شيئا عن عائلته او اخوته او جيرانه الذين يشاركونه سكنى المبنى, ما يعني سقوطا ذريعا في الفردية والانانية وبشكل مخيف وصارم ايضا. وعاد يسأل نفسه: لماذا الومهم؟ انا نفسي سافعل شيئا من هذا لقبيل!! عندها وجد نفسه يكتشف وكأنها المرة الاولى التي يفتح فيها عينيه على واقع مجتمع يعيش فيه منذ عشرات السنين, انه يعيش لنفسه ومع نفسه, وسط حضارة فارغة خالية من اي مضمون للحكمة والانسانية, عندها قرر ان يغادر امريكا الى الشرق. ذهب الى حضارات الهند والصين وبورما, واكتشف هناك ان الانسان لايعيش لنفسه, ولا يجيد فن الحياة الفردية, وان الحكمة الشرقية والصينية تحديدا تسير على قاعدة: ان المثقف هو من يحول ثقافته الى واقع عملي ومفيد للآخرين, ومثل المثقف اي انسان عادي آخر. مشكلتنا اليوم اننا وبرغم كوننا جزءا من هذا الشرق, الا ان فلسفة اخرى تغزونا وتحولنا الى شظايا متفردة لا علاقة لها بما حولها, ما يعني اننا نعاني ازمة فردية قاتلة تحتاج الى تفكير عميق لمعالجتها قبل ان تتحول الى واقع نهائي غير قابل للتغيير الا بالهجرة كما فعل الاستاذ الجامعي.