بعد أن فشلت كل المحاولات الامريكية, ومعها تحالفاتها الدولية والاقليمية, في دفع العراق للاستسلام لشروط الهيمنة الامريكية, رغم مرور تسع سنوات على هذه المحاولات, استخدمت فيها كل أسلحة الموت الممكنة. جوعاً ومرضا جراء الحصار, أو استشهاداً عبر القصف والعدوان, أو حرمانا من الماء والكهرباء وتدمير البنية التحتية , أو تخريبا للزراعة والصناعة ومنع تطورهما, أو تآمرا في السر والعلن من خلال حشد العملاء وتدريبهم وتمويلهم, أو تحريضا عليه, أو تحذيرا وابتزازا لكل من يتعاطف معه. بدا وكأن مأزق الإدارة الامريكية في فشلها, أكبر من مأزق العراق في معاناته. فاستمرار الحصار ورغم آثاره السلبية الكبيرة, وصمود العراق, ورغم تكاليفه الباهظة, إلا أن ذلك أكسبه تأييدا كاسحا في صفوف الجماهير العربية, وزاد من نقمة هذه الجماهير على السياسة الامريكية, واحرج السياسات الرسمية العربية المتعاطفة معها, أو الخائفة منها, أو العاجزة عن مد يد العون للعراق. وساهمت المعاناة العراقية في جلب المزيد من تعاطف الرأي العام الدولي مع العراق, والمزيد من الإدانة للسياسة الامريكية تجاهه في الأوساط الدولية. وكانت المحصلة افتضاح مفاهيم النظام الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية, وافتضاح معاييره واخلاقياته, وانكشاف مدى الزيف في دعواته للدفاع عن حقوق الانسان, أو مقاومة الفقر, أو نشر مفاهيم العدالة والديمقراطية والسلام في العالم. وهذه النتائج التي أفرزتها الأزمة العراقية, وتداعياتها على الصعيدين العربي والدولي شكلت من ناحية أخرى معضلة للنظام الدولي الجديد, وصاحبته الادارة الامريكية. فهذا النظام قام على أساس اخضاع دول العالم للمفاهيم والمقاييس السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاخلاقية, التي وضعتها الادارة الامريكية لهذا العالم. والتي تجعل من الولايات المتحدة قطب هذا العالم ومحوره, وتجعل من دول العالم منظومة تدور حول هذا المحور, ووفق الآلية التي وضعت لها, ولتصب كلها في خدمة المصالح أو (الكونية) الامريكية إذا جاز التعبير. والموقف العراقي, برفضه الانصياح لذلك, والانسجام مع هذه الحالة, يشكل موقفا نشازا يشاغب على هذه الاستراتيجية, ويؤدي إلى تشجيع التمرد عليها, ويستفز دولا كبرى ويغريها هي الاخرى بالتمرد. فالموقف العراقي من هذه الزاوية يعتبر دفاعا عن حق كل الدول في استقلالية قرارها. وبذلك يزداد مأزق الادارة الامريكية, وتزداد معضلة نظامها الدولي الجديد. وربما كان الوقت عاملا ضاغطا على العراق نظرا لقسوة الحصار وتأثيراته ولكنه من ناحية اخرى يعتبر اكثر ضغطا على الادارة الامريكية,التي تريد أن تنجز مشروعها الكوني في اسرع وقت, ولا تريد للعقدة العراقية التي كانت تعتقد انها انتهت منها, وان عدوانها على العراق عام 91 كان اللبنة الاولى في نظامها الدولي الجديد, ان تشغل هذه الادارة عن استكمال مشروعها في بقية مناطق العالم, وبخاصة مشروع التسوية في الشرق الاوسط, لذلك ترى هذه الادارة وهي تتعاطى مع المسألة العراقية في مجلس الامن تتصرف بحنق شديد, وآحياناً بنزق, ودون لباقة دبلوماسية حتى مع الدول الكبرى. فهي تريد ان تنهي هذه المشكلة, وتنتهي منها. وقد تكون المناقشة الجارية حاليا في مجلس الامن حول الموضوع العراقي مؤشرا على اقتراب المشكلة من لحظة الذروة. فالادارة الامريكية تستعجل النتائج, عبر استخدام كل وسائل الضغط والابتزاز والتهديد, والمساومة حتى مع الاعضاء الدائمين في مجلس الامن, المتحفظين على سياستها, للوصول إلى قرار من المجلس يضع العراق امام لحظة الاختيار. فإما القبول بشروط القرار وآلياته, وبذلك يتحقق للادارة ما يؤكد فرض هيمنتها, واستمرار سياستها تجاه العراق, وبغطاء من شرعية المجلس. وبذلك يفقد العراق مصداقية موقفه, ويعرض نفسه لمزيد من الابتزاز وإما رفض العراق للقرار الذي تستصدره الادارة الأمريكية, وهو ما تراهن عليه هذه الادارة, لإلقاء اللوم على العراق, والتخفيف من حرجها ازاء الرأي العام الدولي, وتبرير اي اجراء تصعيدي تتخذه ضد العراق. ومع اتضاح معالم الموقف العراقي, الذي أعلن مسبقاً رفضه للمشروع البريطاني الهولندي المدعوم امريكياً, مع ما يصاحب ذلك من تذبذب في الموقف الروسي والفرنسي, وصمت يلف الموقف الصيني, نستطيع ان نتوقع النتائج, وأن ندرك اسباب العجلة الامريكية, المرفوقة بتحركات مادلين اولبرايت, وزيارتها لمنطقة الخليج, رغم ان الجدول المعلن للزيارة هو تسريع ملف التسوية على المسار الفلسطيني, وتنشيطه على المسار السوري. لكن لا يمكن استبعاد الموضوع العراقي من جدول الزيارة, ولا استبعاد الربط بين تسريع ملف التسوية, والتمهيد للاجراءات الامريكية التصعيدية المتوقعة ضد العراق, بناء على تصرفه تجاه قرار مجلس الأمن. * ورغم أن الدول العربية, هي الأكثر تعرضاً للحرج تجاه شعوبها من جهة, وتجاه الرأي العام الدولي من جهة اخرى, جراء استمرار حصار العراق وعذاباته. ورغم انها ستكون الاكثر تأثراً وتضرراً بالنتائج الناجمة عن أي تصعيد عدواني امريكي ضد العراق, الا ان الملاحظ ان الموقف العربي الرسمي هو أكثر المواقف الدولية جموداً وصمتاً. ففي الوقت الذي تتزايد الحركة الدولية ان على الصعيد الشعبي تعاطياً مع الموضوع العراقي وتعاطفاً معه, وان على الصعيد الرسمي حيث تبادر العديد من دول العالم في تحديد مواقفها, والمساهمة بدورها او مبادراتها في الحركة الدولية الخاصة بالعراق, سواء في مجلس الامن او المؤسسات الدولية الاخرى, حتى لو كانت هذه المواقف سلبية, الا ان الدول العربية ومنظماتها الاقليمية تمتنع وحدها, فرادى, ومجتمعة, عن القيام بأية مبادرة, او التقدم بأي مشروع لمعالجة الموضوع العراقي, ورفع الحصار عنه. فمنذ المبادرة اليتيمة التي قررها مجلس وزراء الخارجية العرب في دورة مارس من العام الحالي بتشكيل لجنة وزارية للتعاطي مع الموضوع العراقي, والتي ماتت قبل ان تولد, او تجتمع مرة واحدة بسبب طبيعة تشكيلها, واستبعاد العراق منها, وقصور ارضيتها السياسية عن تلبية الحد الادنى من المطالب الشعبية العربية, ان لم نقل توافق هذه الارضية مع المعالجة الامريكية والبريطانية للموضوع العراقي.. لم تقم أية مبادرة عربية تحاول على الأقل ترميم الموقف العربي من المسألة, والتحرك على المستوى الدولي للايحاء للمجتمع الدولي بالاهتمام العربي بموضوع العراق, او تميزه عن المشاريع البريطانية والامريكية, واقترابه, بالحد الادنى, من الموقف الروسي او الصيني او حتى الماليزي. لقد توقف الدور العربي الرسمي في التعاطي مع موضوع استمرار المأساة العراقية, عند حدود التعاملات التجارية, وباتت النظرة للعراق وكأنه مجرد سوق لتصريف البضائع العربية, ومصدر لزيادة دخل هذه البلدان, دون الشعور بالألم والإثم, كون هذه الارباح تتم على حساب ارواح العراقيين ومعاناة اطفالهم. واذا كانت هذه الدول قد استمرأت هذا الوضع وأعفت نفسها من اي دور, معتقدة ان معضلة العراق هي معضلة دولية, وان حلها يقع على عاتق المجتمع الدولي, فهي بلا شك تخطئ الحسابا, فالتداعيات الناجمة عن هذه المعضلة, والتي ستشهدها الايام المقبلة, ستعكس نفسها على الوضع العربي بحيث يكون اول وأكثر المتضررين. * سياسي فلسطيني