كنت أود ان أنشر على حضراتكم نص الخطاب الذي أرسله للعبدلله كبير المصارف العربية ابن حارتنا العبقري محمود عبدالعزيز رئيس البنك الأهلي ورئيس اتحاد البنوك العربية, ولكن التطورات التي حدثت على الساحة العربية هذا الاسبوع اضطرتني الى تأجيل نشره للأسبوع المقبل, اما التطورات التي اقصدها فهي التي حدثت في السودان , باعلان الاحكام العرفية وابطال العمل ببعض مواد الدستور في محاولة من رئيس الدولة للقضاء على ازدواجية القرار من قمة السلطة, والحق اقول ان ما حدث كان متوقعاً منذ فترة وأزعم الآن ان هذه الازدواجية في السلطة عاشت أكثر مما يجب, فنحن العرب لا نجيد اللعب كفريق, ولكننا نعشق اللعب الفردى ونحب تسجيل الاهداف بأنفسنا, واذكر انني شاهدت برنامجاً تلفزيونياً على شاشة احدى القنوات الفضائية العربية, سأل المذيع الرئيس البشير سؤالاً مباشراً.. من الذي يحكم السودان؟ ورد البشير قائلاً.. نحن الذين نحكم السودان, وقال المذيع معلقاً, ولكننا وجهنا نفس السؤال الى الدكتور الترابي فأجاب بأنه هو الذي يحكم السودان وعقب الرئيس البشير قائلاً:(الترابي يقول على كيفه, ولكن نحن الذين نحكم السودان) . لقد كشف هذا الحوار الخاطف, ان في النفس اشياء واشياء, رغم ما كان يبدو على السطح من حب ومودة وسمن على عسل, واخيراً حانت اللحظة وانفجر بركان الغضب, الترابي شرع في تقليص سلطات رئيس الدولة, فسارع البشير بحل المجلس النيابي, وهو القرار الذي يعني اقصاء الترابي عن السلطة وانفراد البشير بحكم السودان, ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن لمن الغلبة اليوم؟ ومن الذي سيتمكن من فرض ارادته ويجلس على قمة هرم السلطة في الخرطوم؟ هل هو البشير؟ ام هو الترابي؟ الحق اقول ان الترابي ليس لقمة سائغة, ونفس الوصف نستطيع ان نطلقه على البشير فالترابي استطاع ان يكون على قمة السلطة في عهود سابقة, واستطاع ان يجذب النميري من اقصى اليسار الى اقصى اليمين وانصاره من السودانيين لا حصر لهم, بالاضافة الى انه سياسي قديم ويجيد المواجهة ويجيد المراوغة اما الرئيس البشير فقد نجح في تمهيد الارض قبل الدخول في المعركة وتمكن بجدارة من وضع حد للخلافات مع الدول المجاورة, كما عقد عدة اجتماعات مع كبار زعماء المعارضة, وصارت علاقاته وثيقة بمصر وليبيا في الفترة الاخيرة كما أنه رجل يجيد التنظيم وقائد مدرب على القيادة, ولذلك فالعبدلله يخشى على السودان من نتائج صراع السلطة بين الرجلين لأن صراع السلطة هو اشرس وأعنف صراع على ظهر الأرض والسودان بدأ يشفى من امراضه, ودخل في دور النقاهة, وينتظر الكثيرون له ان يتمكن قريباً من الوقوف على قدميه ومعركة شرسة من هذا النوع بين البشير والترابي ستترك آثارها على جسد السودان مهما كانت نتيجتها, واخشى ان ينتهز الخواجا قرنق الفرصة فينشط اثناء انشغال الدولة السودانية في هذا الصراع. اما بالنسبة للعبدلله فأعتقد ان الغلبة ستكون في النهاية للبشير فهو يحكم قبضته على الجيش كما انه يتمتع بشعبية واسعة بين طبقات الشعب السوداني, هؤلاء الذين نعموا بالامن بعد فترة طويلة من الفوضى وعدم الانضباط في أواخر أيام حكومة النميري, واستمرت في عهد حكومة الصادق المهدي, وهؤلاء الذين توفرت لديهم في عهد البشير كل المواد الغذائية, بعد ان كان اللحم والخضروات والخبز والفاكهة من الصيد الحرام في العصور السابقة لحكم البشير وكان بنزين السيارات هو الحلم بعيد المنال في فترات سابقة وصار متوفراً الآن في عهد البشير, ويستطيع البشير ان يحسم المعركة لصالحه فوراً اذا نجح في خفض الاسعار التي يشكو منها الناس, واضافة زيادات ينتظرها الجميع على رواتب الموظفين. وكل ما ارجوه الآن ان يكون الخلاف بين القطبين هو بمثابة سحابة صيف او حسم الامر لصالح الشرعية وللحرية ولسيادة القانون, فالحكومات تزول والقادة الى زوال ولكن يبقى السودان ويبقى شعب السودان الى يوم الدين!