المفاوضات بين الكيان الصهيوني وسوريا تستأنف يوم الاربعاء 15/12/1999 بين الوزير فاروق الشرع ورئيس وزراء الكيان الصهيوني ايهود باراك, من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن فبراير 1996 كما اعلن الرئيس الامريكي بيل كلينتون, وقد جاء في اعلانه يوم الاربعاء الثامن من شهر ديسمبر الجاري: (ان عملية السلام في الشرق الاوسط قد دخلت مرحلة محورية ويمكن ان تقرر مصير المنطقة لأجيال آتية.. وان المفاوضات سوف لقد اقسمنا بالدم جميعنا على الا نتحدث اكثر مما تحدثنا به اليوم, وأنا سألتزم بوعدي) . وهذا يعني (ان الفطر يمكن ان ينمو بصورة افضل في الظلام) كما قالت مادلين اولبرايت, وان المفاوضات سوف يعتم عليها اعلاميا بشكل شبه تام ان لم يكن تاما, ولكن الفطر الذي ينمو في الظلام يكون عادة: اما ساما يجدر بالناس معرفته وتوقيه, واما غير ضار بالصحة ويمكن تناوله, بصرف النظر عمن يستسيغونه وعمن يرفضونه. وفطر اولبرايت ليس مجهولا الى الحد الذي يصعب على المتتبع تبين اماكنه وبعض نتوءاته ومميزاته, ويمكن القول: ان هناك الكثير مما غدا معروفا عن مواقف كل من الطرفين المتفاوضين, الامر الذي يسمح بمعرفة الكثير عن صيغة التسوية ونتائج المفاوضات. فبما انها تستأنف من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن.. و(على أساس جميع المفاوضات التي تمت بين سوريا واسرائيل ومع الولايات المتحدة) فانها تتضمن حتما ما تم التعارف على تسميته (بوديعة رابين) : أي الانسحاب (الاسرائيلي) من هضبة الجولان حتى حدود الرابع من يونيو 1967 وهو الشرط الذي لم تتزحزح سوريا عنه قيد انملة منذ مدريد حتى اليوم مرورا بواي بلانتيشن وما تم فيها وما بذل من جهود لاستئنافها. وحدود الرابع من يونيو تتضمن عمليا عودة السيادة السورية على الارض التي كان فيها الجيش العربي السوري قبل حرب يونيو ومنها: منابع نهر بانياس والضفة الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا ومنطقة الحمة وبقية الشريط الذي يريد الكيان الصهيوني اعتباره غير داخل في التسوية لأنه لا يدخل في الحدود الدولية التي حددها الاستعمار البريطاني والفرنسي عام 1923 تنفيذا لاتفاقية سايكس ـ بيكو 1916 التي مهدت لتنفيذ وعد المشؤوم بلفور. واذا كانت سوريا قد أبدت (ليونة وتفهما) لما سمي (حاجات اسرائيل الأمنية) في موضوعين, مما مكن من استئناف المفاوضات, فان الموضوعين كما يقول الوسطاء والمراقبون هما: 1 ـ مركز المراقبة الأمنية في جبل الشيخ, حيث توجد امكانية هائلة لكشف تحركات أمعاء المنطقة الممتدة حتى ايران وأقاصي تركيا, بما في ذلك سوريا والعراق. 2 ـ حاجة الكيان الصهيوني الى المياه. وهما موضوعان هامان وحيويان وحساسان في آن معا ولكنهما لا يدخلان في دائرة انتقاص السيادة السورية المطلقة على الاراضي التي كانت خاضعة للاحتلال الصهيوني, فمركز المراقبة سوف ترابط فيه قوات دولية: امريكية وفرنسية على الارجح, وليست هناك ضمانة من أي نوع تحول دون كون اللباس العسكري الامريكي يخفي جنديا اسرائيليا, لانه يصعب الفصل عندي بين ما هو امريكي وما هو صهيوني وما هو (اسرائيلي) فالمصالح واللوائح متداخلة ومتشابكة الى حد اعتبار جوناثان بولارد اليهودي الامريكي مناضلا اسرائيليا امريكيا في آن معا, واعتبار باروخ جولد شتاين, مرتكب مجزرة الحرم الابراهيمي, وهو يهودي امريكي من بروكلين: بطلا قوميا عند الصهاينة في كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وعند المتصهينين الامريكيين ويزيد عددهم على خمسين مليون متعصب من أتباع الكنيسة الانجيلية!؟ ولكن يبقى في عرف الدول واتفاقياتها شيء مختلف عن التجسس. أما المياه فهناك فصل فيما أقدر بين عودة سوريا الى ضفاف بحيرة طبريا والاستفادة من مائها, وبقاء منابع المياه ومصادرها (الوديان الموسمية: لا سيما وادي الزيدي وروافد نهر اليرموك) متدفقة على البحيرة تغذيها بالمياه, فمياه البحيرة كانت بمتناول السوريين قبل الرابع من يونيو وهي تدخل ضمن الاراضي التي تشكل السيادة السورية عليها مطلبا لا تنازل عن ذرة منه, اما تدفق المياه فهو موضوع قامت من اجله الكثير من المشاريع والحروب, وكان من اسباب حرب يونيو ذاتها, حين حاولت سوريا والدول العربية الاخرى المشاركة في مشروع السد الذي تقرر اقامته على نهر اليرموك, اقامة السد.. فكان العدوان الاسرائيلي الكثيف الذي بدأ بتصعيد الاوضاع على الجبهة السورية ومن ثم المصرية عام 1967 اضافة الى الحشود التركية على الحدود الشمالية لسوريا, التي كانت اسرائيل طرفا فيها في ذلك الوقت, كما هي حليف تركيا اليوم؟! والليونة السورية, فيما أقدر, لا تعني تنازلا من اي نوع عن حق ثابت, وهنا اذكر بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, التي كانت تدرج منذ مؤتمر مدريد في قائمة المطالب السورية, تكريسا للبعد القومي للقضية الفلسطينية من جهة وتأكيدا على تلك الحقوق من جهة اخرى, فاننا لم نسمع عنها كلمة في التصريحات التي رافقت الاعلان عن عودة المفاوضات.. فهل تم التغاضي عن ذلك عمدا ام تم التعتيم عليه؟! انني لا اقدر ذلك فهي مما كان مدرجا في مرجعية مدريد التي دخلت سوريا المفاوضات في واي بلانتيشن على اساسها, وهي مما كان في اطار تلك المفاوضات التي يتم استئنافها اليوم من النقطة التي توقفت عندها مع كل ما فيها من مواضيع وتفاصيل. ولا اقدر ان الليونة السورية شملت, من قريب أو من بعيد, ما يتعلق بانسحاب قوة الاحتلال من جنوب لبنان, فالربط قائم وهو عضوي الى الدرجة التي يتم التأكيد فيها على ان من اسباب قبول حكومة باراك بالعودة الى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها, وهو ما كان يرفضه وما كانت ترفضه الحكومة الليكودية السابقة, هو ان الانسحاب من جانب واحد: ان انسحاب جيش الاحتلال من دون اتفاق مع سوريا ولبنان يعني تصعيدا جديا للاوضاع العسكرية والأمنية في المنطقة وانذارا بالانفجار لأن المقاومة في جنوب لبنان لن تتوقف, في حال الانسحاب الى مناطق جنوبية اكثر أمنا للجيش الصهيوني والعملاء المتعاونين معه, ولن تتوقف ايضا في حال الانسحاب من الجنوب المحتل في السبعينيات (1978) , فهناك ربط تم الاعلان عنه بصراحة تامة, لا سيما في تصريحات الرسميين اللبنانيين ومسئولي المقاومة وقادتها في حزب الله وبقية الجهات التي تشارك في المقاومة ضد الاحتلال من جنوب لبنان, بما في ذلك فصائل فلسطينية: الجهاد الاسلامي وحماس على وجه الخصوص, هناك ربط بين الانسحاب من الجولان والانسحاب من جنوب لبنان, لأن ترابط المسارين الذي عجزت الصهيونية الامريكية والاسرائيلية ومن يناصرهما عن فكه اصبح حقيقة واقعة وثابتة, ولا يتوقف عند حدود ارض بلد من البلدين بل يشمل الارض العربية المحتلة فيهما وحقوق الشعب العربي الفلسطيني. واذا ذهب الظن الى ان الانسحاب من جنوب لبنان من جانب واحد, أي من الجانب الاسرائيلي, من دون اتفاق مع السوريين واللبنانيين على ذلك, سوف يسحب من المقاومة ورقتها المشروعة لأن جيش الاحتلال قد انسحب وزال مسوغ المقاومة, وسوف يسحب من يد سوريا ورقة المقاومة لأنه لم تعد هناك في لبنان حاجة للمقاومة.. من يذهب هذا المذهب في التفكير والتفسير يتناسى بعض الحقائق أو يقفز فوقها و يجهلها, ومن تلك الحقائق: أ ـ ان الارض اللبنانية المحتلة التي شملها القراران (425 و426) هي تلك التي احتلت في عام 1978 وما بعدها, ولكن هناك سبع قرى للبنان قام باحتلالها العدو الصهيوني في حرب يونيو 1967 وما بعدها وهي قرى اقليم العرقوب الذي يقع على السفوح الغربية والشمالية الغربية لجبل الشيخ, وهي ارض تتداخل مع الجولان من حيث الجغرافية وظروف الاحتلال وموضوع التفاوض, في ضوء وحدة المسارين السوري واللبناني. وهذا يعني من ناحية اخرى ان المقاومة اللبنانية سوف تستمر بمشروعية لبنانية داخلية حتى ينسحب العدو من ارض العرقوب, وهو موضوع لم يكن مطروحا وليس هو حتى الآن من المواضيع المطروحة بشكل جدي وجلي على جدول اعمال الفرقاء المعنيين. واذا أضفنا هذا الى تلازم المسارين السوري واللبناني ـ اي العلاقة الوشيجة بين الجولان وجنوب لبنان ـ وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة التي لم تتحقق,, فإن المقاومة ستبقى تلاحق جيش الاحتلال حين ينسحب من جنوب لبنان تحت وطأة الخسائر البشرية التي تلحقها به. والمقاومة حق وواجب, وهي التي أجبرت العدو على التفكير بالانسحاب, ومن ثم على استئناف التفاوض, لأنه رأى في الانسحاب من جانب واحد استمرارا للمقاومة, التي لولاها لما كان يفكر بالانسحاب اصلا ولا بالموافقة على استئناف التفاوض الذي يمكن ان يؤدي الى تفاهم, وذلك التفاهم هو وحده قد يعوق المقاومة, التي أرجو لها ان تستمر وأطالب باستمرارها بوصفها حقا مشروعا لمن احتلت ارضه وطرد منها, وهذا شأن الفلسطينيين ومن يرى نفسه منتميا لفلسطين في اطار رؤية قومية ومسئولية عربية. ب ـ ان سوريا لم تنس لبنان ولم تتجاهله في اتفاقها على استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها, فلبنان ليس طرفا مباشرا في اتفاق مباشر لتنفيذ القرارين 425 و426 لأنهما ينصان على انسحاب تام من دون قيد أو شرط. وهناك مطالبة سورية جادة وعربية شاملة ودولية مقررة لتنفيذ القرارين, وهناك أيضا ضرورة تجبر قوة الاحتلال على الانسحاب, وتأتي المفاوضات لتحل وضعا متشابكا فيما يتعلق بالجولان وجنوب لبنان واقليم العرقوب, وهو ما أقدر ان يثار في وقت لاحق. ان التفاوض الذي يتم على مستوى عال هذه المرة أتوقع له ان يتقدم بسرعة ملحوظة, لأن 80% مما كان يجري التفاوض عليه في واي بلانتيشن قد تم الاتفاق بشأنه, ولأن الاتصالات التي سبقت الاعلان عن استئناف المفاوضات قد أنجزت الكثير على طريق الاتفاق, ولا أقدر ان الكثير من الأمور الدقيقة بقي معلقا. والتأكيدات أو الضمانات الامريكية لكل من الطرفين: لسوريا: الانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو (وديعة رابين) وللكيان الصهيوني: ضمان الامن والمياه والعلاقات الطبيعية..الخ تتكفل بدخولهما حلبة التفاوض هذه المرة على أرضية ثابتة وواضحة. صحيح انها تأكيدات أو ضمانات غير معلنة تجري هي والمفاوضات على أرضية قول كلينتون: (وبصراحة لقد أقسمنا بالدم جميعنا على ألا نتحدث اكثر مما تحدثنا به اليوم, وأنا سألتزم بوعدي) . ولكنها شفافة بما يكفي للرؤية ولبناء الاستنتاج.. وإلا فإن سوريا, التي تعرف الغدر الصهيوني جيدا والمراوغة الأمريكية وانحيازها الصريح الى جانب الكيان الصهيوني جيدا ايضا, تكون في وضع من لم يستفد أبدا من تجاربه السابقة. لا سيما موقف امريكا من سوريا ومحاصرتها لها لكي تقبل بالشروط الاسرائيلية وموقفها من وديعة رابين. كل ذلك ما زال ماثلا في الاذهان. فهي في موضوع وديعة رابين لم تنف الوديعة بشكل صريح ولم تؤيد وجودها مطلقا, بل انها ذهبت في مواقف كثيرة الى حدود التشكيك بها والميل في التفسير الى عدم جدوى الحديث عنها والقول بـ (كأنها لم تكن؟) . وهذا كله يطرح علينا سؤالا ملحا عن الوضع المقبل, نحن الذين نرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني ونقاوم تطبيع العلاقات معه وننظر الى صراعنا معه على انه صراع وجود وليس نزاعا على حدود: هل ينتهي كل شيء حين تسفر المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية واللبنانية ـ الاسرائيلية عن اتفاق!؟ هل ينتهي تاريخ ويبدأ تاريخ وتزول مقومات الصراع العربي ومسوغاته من الوجود, ويبقى لنا فقط حق ان نتنفس البؤس وندفن رؤوسنا في الرمال, ونتذكر مرارة الانهزام.. أو نأكل على موائد (المنتصرين) بالتفاوض وكأننا حققنا المعجزات!؟ أم ان القضية الاساس سوف تبقى حية في وجداننا وهادية لنضالنا ومجددة لعزائمنا, ودافعة لنا على ان نعمل من اجل غد عربي افضل فيه قوة وكرامة وقدرة على استعادة الحقوق؟! هل تزول أشباح ملايين الفلسطينيين المشردين وتدفن قضيتهم في الرمال العربية الكثيفة وتأكلها الصحراء والذاكرة المتآكلة والوجدان القومي المثقوب من خواصره كلها!؟ أم اننا سنجد ان وضعا كهذا سيجعلنا اكثر عزما وتصميما على العمل من اجل التحرير, وأكثر ثقة بالمستقبل, وأكثر شعورا بالمسئولية من جهة وبالأمل من جهة أخرى! انني من الذين سيفرحون بعودة الجولان وجنوب لبنان بما فيه اقليم العرقوب الى حضن الوطن فرحا بلا ضفاف, وفي قمة الفرح سوف استشعر الحزن العميق بلا حدود والحاجة الماسة الى عمل عربي مغاير يحقق ساحة افضل لنضال من أجل امتلاك القوة الشاملة على ارضية العلم والايمان والعمل بهما وصولا الى حالة نفسية واجتماعية وطنية.. وقومية.. واسلامية, تمكن من الرؤية السليمة للمشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري المستمر, ومن تحسس مخاطره الشديدة على المستقبل العربي, وتلقي على القلب والعقل والوجدان مسئولية مقاومته حتى التحرر منه والنصر عليه. هل ستقفل الأرض العربية امام من سيقاوم الكيان الصهيوني ويرفض الاعتراف به وكل شكل من اشكال تطبيع العلاقات معه!؟ وهل ستنتهي الأحلام والآمال وتضيع دماء عشرات آلاف الشهداء العرب الذين قضوا على طريق فلسطين هدرا؟! أقول بكل الثقة والاطمئنان لا وألف لا.. فهذا الوطن هو أرض الشمس التي تضرب النخيل حتى ينضج ثمره, والحقل حتى يتذهب قمحه, وليست أرض الفطر الذي لا ينمو الا في الظلام.. وسوف تحرق شمسنا العربية الكثير من الفطور والعفن, وتمكن من انضاج مقاتلين يؤمنون بالله والوطن, ويعلون راية الحق, ويرفضون الاستعمار الأميرو ـ اسرائيلي والاسرائيلو ـ أمريكي لأي بقعة من أرض العرب, ولأي ارادة في أرض العرب, وتضع حدا لتحكمه بارادة أي من العرب وقراره القومي بالعمل المنقذ من أجل الحرية والتقدم والتحرير. والله من وراء القصد * رئيس اتحاد الكتاب العرب