اتخذت احدى المحاكم البريطانية يوم (8/10/1999) أحد أخطر القرارات في تاريخ العدالة البشرية, عندما حكمت بتسليم رئيس جمهورية (تشيلي) السابق أوجستو بينوشيه إلى سلطات اسبانيا لمحاكمته أمام القضاء هناك على جرائم تعرف بارهاب الدولة . وارهاب الدولة الذي مارسه ديكتاتور بسمعة بينوشيه ينحصر في الجرائم التالية: (تدمير الجسم الديمقراطي للأمة التشيلية) والتسبب في مقتل مالا يقل عن 3000 مواطن اعداما واغتيالا وتعذيبا واختفاء, أي تذويبا لجثث المختفين في أحماض ومواد مذيبة!!, وعلاوة على كل ذلك فهو متهم بتدمير الأحزاب السياسية والنقابات والروابط المهنية عن طريق التصفية الجسدية لأعضائها, وباعتقال وتعذيب ونفي آلاف النقابيين والعمال والمثقفين والطلبة, فضلا عن أقاربهم, ومعارفهم, حتى يصل الأمر لجيرانهم أيضا!! بعد كل ما اقترف حصل بينوشيه على حق اللجوء السياسي لبريطانيا, واعتقد ان غطاء الحصانة الذي يتمتع به سيحميه حتى الرمق الأخير, وبما ان أغلب المصابين بجنون العظمة والدكتاتوريين المصابين أيضا بعمى ألوان سياسي وتاريخي, فهم لا يرون ولا يسمعون ولا يتحسسون طريقهم بحكمة, ويظلون أسرى جنونهم حتى تسقط على رؤوسهم طرقات محكمة كتلك التي عقدت في بريطانيا لبينوشيه, أو تلك التي قيل بأنها اخترقت مبدأ السيادة القانونية الوطني عندما أقرت محاكمة مقترفي (الجرائم بحق الانسانية) في يوغسلافيا السابقة ورواندا العام 1993. يتحدث العالم اليوم عما يسمى بدرس بينوشيه, وهذا الدرس ليس سوى استخلاص لما آل اليه مصير طاغية كان يردد في اوج طغيانه في تشيلي (لن تتحرك ورقة في تشيلي الا بأمري) هذا الرجل الذي أرهب دولة بأكملها عبر الاف الاغتيالات بهدف تركيع المجتمع بأكمله واجتثاث أي محاولة للمقاومة لا يفلت في آخر ايامه من انتقام ضحاياه الاحياء منهم والأموات, حيث أقر القانون سابقة تاريخية هي المقاضاة امام قضاء أي دولة اخرى ضد امثال بينوشيه, وان لا حصانة لأي بينوشيه آخر موجود على رأس السلطة ويتمتع بطغيانه كما كان يفعل طاغية تشيلي السابق. ارهاب الدولة يقابله ارهاب الأفراد أو الجماعات, وها هي شرطة دبي تقدم هي الاخرى درسا آخر, في أن أي (ارهابي) مهما كبر أو صغر لابد أن يقع في نهاية المطاف, ما يجعلنا نكن الكثير من التقدير لهذا الجهاز الأمني الذي بذل الكثير ليطلق العديد من رسائل تعزيز ثقة المواطن بأمن وطنه. هذه الثقة التي نحتاجها جميعا في ظل واقع يموج بالكثير من المخاطر والفتن التي جعلت الارهاب واحدا من المفاصل الأكثر بروزاً للتعبير عن حالة القلاقل وعدم الاستقرار والرغبة العالمية لتدمير المجتمعات لأهداف خاصة لدى المخربين. نعلم بأن الارهاب (موضة) أو افراز عالمي جاء نتيجة ظروف وملابسات وبتغذية مقننة وضخمة من أجهزة وانظمة مدججة بالمال والتكنولوجيا والمؤامرات, لكننا نعلم أيضا بأننا في قلب العالم, وبأن موجة الارهاب تمتد في كل الاتجاهات, ومن المهم ان نعرف الحقيقة حتى يستقر الى جانب القلق نوع من الطمأنينة, ونعلم ان كل الحقائق لا يمكن نشرها حماية للمجتمع والدولة, ولكن شيئا من الحقيقة مطلوب بعد هذه الضربة التي وجهتها شرطة دبي لصاحب المفرقعات الذي اقلق امن المجتمع وروع الناس, واقض مضاجع جهات عديدة, وجعل اجهزة الدولة تنفق الكثير من الجهد والمال والوقت لتعقب سخافاته وجنون ارهابه ومن يقف وراءه. مرة اخرى: لا شيء اجمل من الثقة في امن الوطن الذي تعيش فيه وليس اسوأ من انسان يستظل في حماية هذا الوطن ثم يطعنه من الخلف.