أول مافعلت اسرائيل بعد الاتفاق على استئناف المفاوضات مع سوريا, والتي تبدأ اليوم بواشنطن, اطلاق مجموعة من التقارير والتصريحات اغلبها يتعلق بثمن الانسحاب من الجولان والتعويضات وتكلفة تفكيك المستوطنات والقواعد العسكرية وغيرها, فهي اذا كانت قد استفادت من احتلالها الهضبة السورية لسنوات طويلة فإنها لاترغب اليوم في تركها بلا فائدة , فاسرائيل كالمنشار تأكل في الحرب وتأكل في السلام اكثر. طبعا الخروج من المولد بلا حمص, مثل عربي لاتتعامل معه اسرائيل ولا تعرفه, فهو ينطبق على العرب ويعبر عن حالهم, واذا كان (حمصهم) في مولد السلام عودة الاراضي المحتلة اليهم بشروط وترتيبات أمنية, فذلك حدهم, مقابل ماتحصل عليه اسرائيل من اعتراف بالوجود واراض وكيان ودولة وفوقها مليارات وفوق المليارات بوستان واحدة على العين والاخرى على الرأس. ولا نقلل أبدا من أهمية عودة الاراضي المحتلة, في سوريا ولبنان وفلسطين, كما عادت سيناء سابقا, الى البلدان العربية, فذلك انجاز عجزنا عنه حربا لنأخذه اليوم سلما, غير ان ثمنه فادح بكل المقاييس هو اعترافنا بالكيان الصهيوني واعطاؤه حق الوجود الشرعي بيننا كدولة ضمن المنطقة, وتنازلنا بالتأكيد عن اراض من فلسطين هي اليوم غالبية اراضي اسرائيل انتزعتها بالقوة والاغتصاب قبل خمسين عاما لتنشىء فوقها وطنا قوميا لليهود, وبقية القصة معروفة. هل نرفض السلام اذن والفرص المتاحة ونبقى خمسين عاما اخرى دون ان نستطيع استعادة اراضينا؟ الاجابة طبعا لا, فالعاقل يدرك ان ما لايدرك كله لايترك كله, لذلك فإن استعادة الاراضي اليوم افضل من انتظار خمسين عاما نعرف تماما اننا عاجزون عن استردادها بالقوة, فلا يتبقى سوى تحقيق افضل مايمكن من السلام والاستفادة القصوى منه, وهو ما تحاول اسرائيل ان تقوم به, مما لانجده للأسف عند المفاوض العربي, الذي لايتحدث عن اكثر من حقه في استعادة الاراضي المحتلة. وسنعود للتعويضات التي تطالب بها اسرائيل ولثمن الانسحاب, فهذه قبل ذلك تطالب بترتيبات أمنية كمراكز مراقبة, وبنزع السلاح في اراض عربية كالجولان عند الانسحاب منها, وبحق تراه شرعيا لها في المياه وغير ذلك من مطالب, عمليا سوف يحققها لها السلام ماعجزت عن تحقيقه بالحرب, فأين مطالب العرب, اكثر من عودة الاراضي؟ ولماذا لا يطالب هؤلاء بحقهم في الامن ايضا, خاصة ان اسرائيل تتفوق عليهم عسكريا وتمتلك سلاحا نوويا, فيصرون مثلا على تجريدها من سلاحها النووي وعلى تخفيض ترسانتها العسكرية, ولو من باب حسن النوايا الذي تطالبنا به اسرائيل دائما؟ ونترك الاجابات معلقة كما هو الحال مع قضايا اخرى ظلت معلقة الى اليوم, ونعود الى التعويضات, فهذه قدرتها اسرائيل بحدود 18 مليار دولار (مراكز ابحاث اسرائيلية قدرتها بثلاثين مليارا) ثمنا لتفكيك المعسكرات والمستوطنات ولبناء مستوطنات جديدة لحوالي 17 الف يهودي سيتركون الجولان مع تعويضهم, وما الى ذلك من تكاليف تراها اسرائيل ضرورية لتحقيق الانسحاب, وهو ما يتوقع ان تطرحه على طاولة المفاوضات فتحصل على ضمانات امريكية بدفعها, كما حدث مع تسليم سيناء وأراض فلسطينية. وبما ان العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم, فإن العرب يستحقون بالمقابل تعويضات ربما تفوق ماتستحقه اسرائيل بكثير, ثمنا لاستغلال اراضيهم المحتلة من قبل اسرائيل طوال سنوات الاحتلال, وثمنا لسرقة خيراتها كالمياه وتعويضا للمهاجرين والمشردين منها, وثمنا لما دمرته قوات الاحتلال, وهكذا وصولا الى ثمن اعادة بناء هذه المناطق المحررة, لولا ان مثل هذه المطالب لاتدخل في قاموس المفاوض العربي, الذي يفاوض فحسب على عودة اراضيه اليه, فنحن الذين نرضى من الغنيمة بالاياب, لا أكثر.