كأننا أمة من الجهلاء. فها هي الولايات المتحدة منذ رحيل الاستعمار الأوروبي في الستينات عن المنطقة العربية.. وقدومها السعيد لملء الفراغ أوائل التسعينات.. وهي تؤكد صداقتها الحميمة للعرب, وألوان تفانيها في خدمة مصالحهم, والثأر لكرامتهم, والسعي ما وسعها الجهد لاسترداد حقوقهم المغتصبة وأرضهم السليبة , فهي التي أسبغت رعايتها السامية على مسيرة السلام الظافرة من مدريد إلى شرم الشيخ مرورا بأسلو والواي ريفر, ثم أنها تكبدت عن طيب خاطر ولا تزال الكثير من جهود ووقت الرئيس كلينتون الثمين ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت في استقبال وتوديع ياسر عرفات ونتانياهو من قبل وباراك من بعد, والتعطف بالمصافحة والابتسامة الحانية أمام عدسات المصورين إذا اقتضى الأمر, فكل شيء يهون في سبيل حث الطرفين على الوئام والصفح الجميل ويا بخت من بات مغلوب وقلبه أبيض من اللبن الحليب, ورفض المين غالبا وقلبه أسود وهباب, خاصة وأنه تبين بما لا يدع مجالا للشك ان ما بين العرب وإسرائيل ليس نزاع حدود ولا وجود, وإنما مجرد حاجز نفسي بسيط مآله إلى زوال عن قريب, وها هو دنيس روس مبعوثها الخصوصي وقد إنهد حيله وعافيته رايح جاي في جولات مكوكية ياولداه, بين العواصم العربية وإسرائيل لإحلال السلام والوئام, وهل ينكر سوى جاحد نجاحه بدرجة امتياز مع مرتبة الشر ف في الحصول على وعد من باراك للانسحاب من 5% من مساحة فلسطين المحتلة, اتساقا مع الحكمة العربية المأثورة (مالا يسترد كله لا يترك كله) أو بمعنى آخر دارج (حاجة أحسن من مفيش) ! أما عن الاتهام الظالم لأمريكا بالكيل بمكيالين وانحيازها لإسرائيل على حساب العرب, بدليل ضمان أمنها وحدودها حتى آخر شبر مزروع بالمستوطنات والمستوطنين اليهود, و بتفوقها العسكري في الأسلحة التقليدية على مختلف الجيوش العربية مجتمعة, أو غض الطرف عن حيازتها للأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية, فهو ادعاء باطل ومغرض وجاهل بحسن النوايا الأمريكية, التي ترى بثاقب رؤيتها وبعد نظرها وحكمتها كذلك باعتبارها (كبيرة العائلة الدولية) التي رأت ان هذه الحماية وذلك السكوت على تجاوز التفوق الإسرائيلي لكل معايير توازن القوى الإقليمي, ان مصالح العرب وأمنهم القومي فحسب, عبر قطع الطريق على أي زعيم عربي متهور لإشعال الحرب في المنطقة للمرة الخامسة, خاصة بعد ان أقسم المغفور له الرئيس أنور السادات (كبير العائلة المصرية) بأغلظ الأيمان على ان أكتوبر 1973 آخر الحروب بين العرب وإسرائيل وكفى المؤمنين شر القتال الذي حصد أرواح شبابنا وثكل نساءنا ويتم أطفالنا, فضلا عن ضياع الوقت والجهد والمال سوى على حساب التنمية والرفاهية والتقدم! هكذا بشكل أو بآخر, بالغش والخداع, تواصل أمريكا الاستخفاف بعقولنا, لتمرير سياستها المزدوجة, والتمويه على استراتيجيتها الكونية الشرق أوسطية, والتمكين لإسرائيل من بسط مشروعها الصهيوني التوراتي على حساب الوجود العربي, وهكذا أيضا توزعت الأدوار على الأذناب والعملاء ودعاة التطبيع لدق الطبول الفكرية والمزامير الإعلامية إيذانا بفرض سلام الإذعان الباطل, وتغييب الوعي العربي عن إدراك كنه وأهداف المخطط الأمريكي الخطير لاستعمار المنطقة العربية برمتها إلى الأبد, وهو ليس استعماراً اقتصاديا ولا فكريا أو سياسيا فحسب, وإنما على غرار الاستعمار الأوروبي القديم عسكريا بالدرجة الأولى, بريا وجويا وبحريا, ورغم ان هذا الاستعمار الأمريكي قائم بالفعل منذ تحرير الكويت بدعوى الدفاع عن أمن الخليج, إلا أنه والحق يقال غير مفروض عنوة, وإنما كان ولا يزال موضع الحفاوة والترحيب, بدليل الوفاء بكلفته بالمليارات من العائدات النفطية, لكن الأدهى والأمر ما يطالعنا مؤخرا في وسائل الإعلام الأمريكي الرسمي والأهلي من أخبار وتقارير حول موافقات عربية من وراء الستار لنشر شبكة من الصواريخ النووية الأمريكية في منطقة الخليج من الآن وحتى نهاية عام 2005 لصد أي هجوم نووي محتمل من جانب كوريا الشمالية والعراق, والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه, لان إسرائيل لن تظل وحدها تنفرد بعد عام 2005 بحيازة الأسلحة النووية, فضلا عن ان أمريكا مشكورة سوف تعفي العرب من عناء إدارة وصيانة وحراسة هذه الأسلحة, لكن ملكيتها سوف تظل خالصة للعرب دونما حاجة للتسجيل في الشهر العقاري, إذ ان موقع انتشارها على أرض عربية, وترفرف فوق قواعدها الأعلام العربية. المؤامرة الأمريكية المبيتة ضد العرب إذن جد و ما هي بالهزل والاستخفاف بمخاطرها والظاهر منها على السطح الآن أشبه بقمة جبل غائر من الكتل الجليدية, بمعنى ان ما خفى منها أعظم وأكثر خطورة, والشواهد التي تؤكد ذلك تجل عن الوصف والحصر, وذلك ان كوريا الشمالية بعد اتفاقها مؤخرا مع أمريكا تفكك الآن ما لديها من صواريخ ورؤوس نووية, ثم ما الذي يدعوها ـ في حالة حيازتها للأسلحة النووية ـ إلى توجيهها إلى المنطقة وليس بينها والعرب نزاعات أو مصالح متناقضة, بينما تم تجريد العراق حتى من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية, والخبراء الأمريكيون والدوليون يقطعون باستحالة تصنيعه للأسلحة النووية, ومن ثم فان الهدف الأمريكي غير المعلن يكمن في محاولة احتواء هذه الدول. ولعل ما يستدعي الرصد والتحليل جولتي وزير الدفاع الأمريكي وليم كوهين في المنطقة العربية, وكم ما تم تسويقه من صفقات بيع السلاح الأمريكي, والنزاع الحاد بين المعارضة والحكومة في مجلس الأمة الكويتي السابق حول صفقة المدافع الأمريكية طراز (بادين) شاهد على ذلك, في الوقت الذي نجح كوهين في تسويق طرز حديثة من السلاح الأمريكي بينها صواريخ (باتريوت) وغيرها من الصواريخ الدفاعية التي يمكن تزويدها (إذا دعت الحاجة) برؤوس نووية, بمعنى ان التسويق مهم أولا, لكن الأهم بعد ذلك انفراد أمريكا وحدها بتقدير مدى الحاجة إلى ذلك! على ان المخطط الأمريكي لا يعنيه بعد نجاحه في تشغيل مصانع السلاح وجني عائدات بيعه للعرب سوى تأمين عملية تمركز القوات الأمريكية في المنطقة بشكل دائم, في إطار روابط استراتيجية بين حلف الأطلسي ونظام أمني مشترك في الشرق الأوسط, وذلك كان محور الحوار الأطلسي المتوسطي في برشلونة عام 1995 وما جرى البحث بشأنه خلال اجتماعات منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي عقدت مؤخرا في اسطنبول, عبورا بفكرة تشكيل قوة عسكرية أوروبية متوسطية مشتركة تحمل اسم (اليوروفور) التي جرى طرحها للنقاش في منتدى البحر المتوسط الذي عقد في بالما دي مايوركا بإسبانيا خلال شهر مايو 1998. وإذا كان عمرو موسى وزير خارجية مصر قد استبعد قيام نظام أمني مشترك بين أوروبا وأمريكا والعرب وإسرائيل, خاصة وان هناك الكثير من التعقيدات والشكوك التي تجعل من هذا التعاون بعيد المنال, طالما لم يتحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة وحيازة إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل, إلا ان أمريكا لاتزال مستمرة خطوة إثر أخرى في تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية والأمنية في المنطقة, بعد ان أصبح معلوما للعامة قبل الخاصة ان المنطقة العربية تحتوي الآن على أكبر مخزون من أسلحة (البنتاجون) خارج أمريكا, بينما عملية توسيع القواعد العسكرية الأمريكية جارية على قدم وساق في الكويت وغيرها من الدول, وربط هذه القواعد بمقر القيادة العليا للقوات الأمريكية في (تامبا) بولاية فلوريدا وشيكا وهو ما يؤكد جدية تصريحات وليم كوهين من ان القوات الأمريكية لن ترحل من الخليج سواء ظل الرئيس صدام حسين في السلطة أم نجحت أمريكا في عزله. فإذا وضعنا في الحسبان شواهد أضرار الإشعاعات والغازات الناتجة عن استخدام الأسلحة التقليدية الأمريكية الحديثة في حرب الخليج, والتي راح ضحيتها زهاء مليون طفل في العراق وآلاف الجند والأمريكيين المصابين بأمراض (متلازمة حرب الخليج) , فمن المتعين إذن ان نتوقع أخطارا أكثر فداحة من جراء نشر الصواريخ النووية الأمريكية في المنطقة العربية, ومن هنا تكمن مصداقية الهجوم الضاري الذي شنه العقيد معمر القذافي في حواره مؤخرا بإحدى الفضائيات العربية, حين استشهد بالآية الكريمة (يخربون بيوتهم بأيديهم) في نقده للمناورات العسكرية الأمريكية العربية المشتركة وقال: (ان العرب لديهم كل الإمكانات الذاتية للدفاع عن وجودهم وكرامتهم, لكن ليس لديهم الإحساس أبدا) !