القناعة السائدة في كل الاوساط السياسية المصرية هي أن الانتخابات البرلمانية المقبلة سوف تكون علامة فارقة في تاريخ مصر السياسي.. او هكذا ينبغي أن تكون.وبعيدا عن الكلام المكرر عن (عبور القرن) و(دخول الألفية الثالثة) .. الى آخر هذه (الكليشيهات) التي تتكرر بلا معنى وتدخل في كل قضية.. من كرة القدم الى مسلسلات التلفزيون , ومن انشاء الكباري الى تعيين العمد والوزراء! بعيدا عن هذا الكلام المكرر, فان مسألة أهمية الانتخابات البرلمانية المقبلة تبدو حقيقة يتعامل معها الجميع باحترام, بصرف النظر عن تاريخ هذه الانتخابات الذي يتصادف مع دخول القرن الجديد. وكل القوى السياسية تضع في اعتبارها وهي تتعامل مع هذه القضية عدة حقائق تبدو بارزة ومؤثرة في مستقبل الحياة السياسية والحزبية. ** هناك حقيقة ان الانتخابات البرلمانية السابقة في العام 96 كانت تجربة سيئة بكل المقاييس ولكل الاطراف.. غابت فيها السياسة وبرزت قوة رأس المال ترافق ذلك مع تنامي ظاهرة (البلطجة) التي نمت مع ملايين الجنيهات التي كان ينفقها بعض الاثرياء لضمان المقعد السحري في البرلمان.. وقد أثبت هذا التحالف الوليد بين الثروة والبلطجة فعاليته, ونجح الكثيرون من مرشحي هذا (التحالف) .. ومعظمهم دخل المعركة مستقلا وفاز حتى على مرشح الحزب الحاكم, ثم انضموا للحزب او ضمهم الحزب بعد الانتخابات, ليصبحوا قوة داخل الحزب وداخل البرلمان تدافع عن مصالحها الخاصة والتي تتصادم في معظم الاحيان مع المصالح العليا للوطن. ** هناك حقيقة ان مجلس الشعب الحالي كان من أضعف البرلمانات في تاريخ الحياة السياسية المصرية وأكثرها تعرضا للنقد. ولم يكن السبب فقط هو ضعف تمثيل المعارضة الذي يكاد يكون رمزيا, ولكن ايضا كان هناك ضعف الاداء للاغلبية التي عانت منذ البداية من احكام قضائية ببطلان انتخاب ما يقرب من نصف اعضائها.. وبالطبع لم تنفذ الاحكام تحت دعوى ان (المجلس سيد قراره) وبذلك احتفظ هؤلاء الاعضاء بعضويتهم الباطلة, ودفعت الدولة تعويضات هائلة للفائزين الحقيقيين الذين انصفهم القضاء, وأهدر حقوقهم.. (سيد قراره) ! وزاد الوضع سوءا ما كشفته محاكمة (نواب القروض) التي كشفت كيف تستغل الحصانة البرلمانية في الحصول على قروض من البنوك بمئات الملايين من الجنيهات أو الدولارات.. وبدون ضمانات حقيقية. ثم ازداد التدهور بعد ادانة نواب (محترمين) بتهمة البلطجة أو الاعتداء على المواطنين! ** والأهم من ذلك كله هو ضعف الدور الأساسي للمجلس في رقابة الحكومة ومحاسبتها, ورغم ما كان معروفا عن سوء العلاقات بين نواب الحزب الحاكم وبين رئيس الوزراء السابق الدكتور الجنزوري وشكواهم المستمرة من تجاهل طلباتهم والرد المستقر بأن من غير المعقول ان يتحول النواب إلى أصحاب مصالح خاصة يتركون كل شيء من أجل الحصول على (تأشيرات) المسئولين التي أصبح لها ثمن, أو للوساطة في الصفقات الكبيرة على حساب المصلحة العامة. رغم ذلك كله فإن ذلك لم ينعكس على العلاقات (الرسمية) بين الحكومة والمجلس, والتي لم تخرج عن بيانات حكومية مكررة ومعادة ولا تحمل أي جديد, تمر دون مناقشة جادة, تتلوها طلبات احاطة وأسئلة واستجوابات للوزراء تنتهي دائما بالانتقال لجدول الأعمال بعد توجيه الشكر إلى الوزير المختص! وهكذا كان طبيعيا بعد خروج الجنزوري ان يتحدث نواب الأغلبية عن أخطاء حكومة الأغلبية السابقة, وان ينتقد الوزراء تصرفات الجنزوري, وان يقول رئيس المجلس الدكتور سرور ان المشروعات القومية الكبرى لم تأخذ حقها في المناقشة, دون ان يدرك ان ذلك يمثل اكبر إساءة للبرلمان نفسه, فالمشروعات القومية الكبرى لم تمر في الخفاء, ولم يتم إقرارها سرا, والناس رأت نواب المجلس وهم يزورون توشكي ويلقون قصائد الاعجاب بالانجاز الكبير, ورأتهم وهم يتحدثون عن النهضة الحضارية التي ستحدثها المشروعات الكبرى في توشكي وسيناء وقناة السويس, فهل كان ذلك دون دراسة؟ ومن الذي منع المجلس من أداء دوره في دراسة هذه المشروعات التي تتكلف المليارات؟ وماذا سيقول أعضاء المجلس ورئيسه بعد ان أكد الرئيس مبارك ان مشروع توشكي سوف يستمر دون توقف وانه واحد من أفضل وأهم المشروعات القومية التي تسهم في زيادة الرقعة المزروعة, وتساعد على خلق فرص العمل, اضافة إلى ان المشروع يفتح آفاقا جديدة للمستقبل تساعد على مواجهة الزيادة الهائلة في السكان وتخفف من الزحام ـ وبالتالي فليس هناك ما يدعو إلى اعادة النظر في مشروع توشكي أو مشروع شمال خليج السويس) . لقد كانت هناك خلافات علنية حول مشروع توشكي, وكانت هذه الخلافات تتركز حول أفضلية استغلال المياه في الوادي عنها في الصحراء, وحول التكلفة وأسلوب توزيع الأراضي المستصلحة ولم يكن الخلاف حول أهمية الخروج من الوادي الضيق وغزو الصحراء, ولكنه كان حول هل يكون هذا الغزو بالزراعة أم بالصناعة كما اقترح كثيرون. وكان هناك خلاف حول مشروعات شرق التفريعة وخليج السويس, وكان الخلاف أساسا حول أسلوب توزيع الأراضي, وحول تنفيذ المشروعات بالأمر المباشر, وحول ضرورة الاعتماد على العمالة المصرية في هذه المشروعات وعدم اللجوء للشركات الأجنبية إلا لحاجة حقيقية. وفي كل هذه الخلافات لم نسمع صوتا في مجلس الشعب ولم تتم المراجعة المطلوبة, وفقط بعد خروج الجنزوري بدأ الحديث لتحميله المسئولية, وجاء الاعتراف ـ على لسان رئيس المجلس نفسه ـ بأن المشروعات القومية الكبرى لم تأخذ حقها من الدراسة.. أما لماذا؟ ولأي سبب؟ ومن المسئول؟ فعلم ذلك عند علام الغيوب! ** وتبقى الحقيقة الأهم وهي حالة الاحزاب السياسية وهي (الاهم) لان الحكومات تأتي وتذهب, والبرلمان قد يعكس الوضع السياسي اولا يعكسه, لكن الاحزاب السياسية يفترض فيها ان تكون هي التجسيد الطبيعي لكل القوة الاجتماعية والاقتصادية والتيارات السياسية وعندما تعجز الاحزاب السياسية عن لعب هذا الدور فان الخلل يكون كبيرا والخطر يكون حتميا. وهذا هو الشعور السائد في الحياة السياسية الآن, فالاحزاب السياسية ـ بما فيها الحزب الوطني الحاكم ـ في ازمة خانقة . والاسباب كثيرة .. .منها القيود التي يفرضها قانون الاحزاب, ومنها الحصار المضروب على نشاط احزاب المعارضة والتي يتحتم عليها الا تتحرك خارج مقراتها والا تنزل الى الشارع, ومنها الصراعات الداخلية داخل الاحزاب المصرح بها والمعارك الوهمية التي تخوضها, ومنها احتكار الحزب الحاكم لوسائل الاعلام وسيطرته الكاملة على الجهاز التنفيذي الأمر الذي جعل الحزب يكتفي بما يملك من نفوذ وسلطة ولا يسعى للعمل الحزبي الحقيقي بعد ان اختلطت الامور بين ماهو حكومي وماهو حزبي. ولقد انتهى الامر بالاحزاب الى ان تتحول ـ في احسن الاحوال ـ الى مجرد نواد سياسية تشهد بعض (الثرثرة) وبعض العنتريات, بينما الصفقات السياسية تتم من وراء ستار, واشد ما يتمناه اي حزب من احزاب المعارضة هو مجرد التواجد في البرلمان ولو بدون تأثير وبدون دور .. المهم ان يبقى في الصورة, وان تبقى له صحيفة ولافتة ونائب او اثنين من باب التجمل! والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي انصراف المواطن العادي عن ممارسة دوره السياسي, وتناقص نسبة من يذهبون لصندوق الانتخابات العامة, وضياع اي دور للاحزاب في الشارع السياسي .. بل وتقلص الشارع السياسي ليصبح مجرد حارة سياسية ضيقة يستحيل المرور منها الى حياة ديمقراطية حقيقية. والكل يدرك الآن استحالة بقاء هذه الاوضاع على حالها, خاصة بعد ان ترافقت معها ظاهرة الشيخوخة التي تسيطر على الاوضاع السياسية والتي انفجرت بشدة مع التغيير الحكومي الاخير الذي جاء بعد وعود, لم تتحقق, باعطاء الفرصة للشباب. وهو امر اصبح يهدد بالانفصال الكامل عن اجيال جديدة لها رؤيتها وتفكيرها ولها الحق في ان تأخذ الفرصة كاملة لتصنع مستقبلها بنفسها, ومع ذلك ترى الاحزاب (حكومة ومعارضة) والمؤسسات واجهزة الاعلام كلها في ايدي قيادات اعطت ماعندها ( بايجابياته وسلبياته) منذ سنوات وانتهى الامر. واذا كان مفتاح التغيير هو السياسة ومفتاح السياسة ـ كما يرى الجميع ـ هو الانتخابات البرلمانية المقبلة التي قد تكون الفرصة المناسبة حتى عند دعاة التغيير الجذري والاصلاح السياسي الشامل. ومن هنا يتجه تفكير الجميع الى هذا الطريق المفتوح (حتى الآن) لاجتياز الواقع السياسي الحاضر بكل احباطاته وسلبياته. وقد فتح الرئيس مبارك بنفسه الباب هذه المرة امام هذه الآمال, حين استهل ولايته الجديدة بخطاب في مجلس الشعب اعلن فيه التزامه الكامل بان تجرى الانتخابات البرلمانية القادمة في نزاهة تامة وتحت اشراف قضائي شامل, كما اعلن استعداده لبحث كل الوسائل لضمان تمثيل نيابي متوازن تجد فيه المعارضة فرصتها للتواجد المثمر والفاعل باعتبارها جزءا من المكونات الاساسية للعملية الديمقراطية. وعلى الفور بدأ الجدل حول الانتخابات القادمة, وكانت معظم الآراء مع الاخذ بنظام القوائم في الانتخابات بدلا من النظام الفردي المعمول به الآن, باعتبار ان ذلك يتيح اكبر الفرص للقوى السياسية المختلفة لتكون ممثلة في البرلمان. وقد جربت مصر نظام القائمة النسبية المقيدة في عام ,1984 ثم نظام القائمة مع وجود مقعد فردي في كل دائرة عام ,1987 وانتهت التجربتان بحكم القضاء بعدم الدستورية لكل منهما, فعادت مصر إلى الأخذ بنظام الانتخاب الفردي الذي أظهر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالذات كل عيوبه مرة واحدة.. وتزايد سطوة رأس المال, إلى ظهور العصبية والبلطجة إلى تهميش دور الأحزاب (المهمشة أصلا) إلى الخلل الفادح في تمثيل القوى الاجتماعية وحرمان تيارات سياسية فاعلة من التواجد في البرلمان الذي يزداد دوره شحوباً يوما بعد يوم للأسباب التي ذكرناها سابقاً. ومن الطبيعي أن تكون هناك مقاومة للأخذ بنظام القوائم في الانتخابات من جانب قوى فاعلة داخل الحزب الحاكم أو خارجه. فهناك رجال الأعمال الذين يرغبون في ترك الملعب أمامهم دون سلطان حزبي, وهناك أعضاء المجلس الحاليين الذين يدركون أن نظام القوائم قد يستبعدهم ليأتي بالأكثر تأهيلا للقيام بالمهمة السياسية داخل البرلمان, وهناك مراكز القوى في المحافظات التي تدرك أن نظام القوائم سينقل مركز الثقل إلى الحزب نفسه, وهناك المستفيدون من مراكزهم السياسية داخل وخارج البرلمان للحصول على المزايا والاستثناءات, والذين يدركون أن البرلمان في ظل نظام القوائم لن يكون المكان المناسب للحصول على هذه المكاسب, وأن عضو البرلمان (في هذا النظام الانتخابي) لن يغرق في الخدمات الشخصية لأن مهمته السياسية ستكون هي الأهم, واهتماماته ستنصب على القضايا الكبرى لتصبح الخدمات المحلية من اختصاص المجالس الشعبية وأجهزة المحافظات. ولطمأنة كل هؤلاء توالت التصريحات من رئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد بأنه لا تفكير حتى الآن في تغيير النظام الانتخابي, ومن رئيس مجلس الشعب الدكتور سرور الذي صرح بأن كل ما ينشر حول هذا الموضوع هو مجرد (ارهاصات) والفردي باق.. باق. ومع ذلك فإن الكلمة الأخيرة في الموضوع لم تأت بعد. والقرار فيها سيكون بلا شك للرئيس مبارك, ومن الخير للجميع أن يتأخر هذا القرار, وأن يأخذ الموضوع حقه الوفير من الدراسة, وأن يكون هناك حوار واسع بين كل القوى السياسية الفاعلة والحقيقية حول هذه القضية المهمة. وقد يكون هذا الحوار في اطار مؤتمر قومي كما يقترح البعض, أو في اطار لقاءات ثنائية أو ثلاثية جادة تتم تحت اشراف الرئاسة نفسها, وعلى أن يدرك الجميع أن المطلوب ليس المساومة من أجل مقعد أكثر أو أقل في البرلمان, وإنما المطلوب نظام يعيد الحياة للأحزاب السياسية التي فقدت مبررات وجودها في ظل الوضع الحالي. والمطلوب هو برلمان يعيد التوازن بين السلطات ويعيد الاعتبار للسلطة التشريعية ويغسل اثار ما حدث من انحرافات الأعضاء أو غياب دور المجلس الحقيقي. والمطلوب هو اجراء انتخابات تفتح الباب أمام التغيير الموعود, وتعيد الأمل في قدرة النظام على تخطي العثرات واجراء الاصلاحات والعبور إلى مرحلة جديدة ينتهي فيها الحديث عن (الهامش) الديمقراطي, لتدخل مصر مساحة الديمقراطية الرحبة وتقيم دولة المؤسسات, وتعطي الفرصة كاملة للأجيال الجديدة لتأخذ دورها الطبيعي في القيادة وتنشر رؤيتها المستقبلية , وتنهي معارك الماضي التي ما زالت تستنزف قوى الأمة وتصرفها عن المهمة الصعبة.. مهمة بناء المستقبل الذي تحتاجه مصر.. وتستحقه بكل تأكيد.