وعيت على تراث اسلامي, مثلي ربما مثل غيري من ملايين المسلمين, على ان حزب الله هم جميع المسلمين وكل من قال (لا اله الا الله, محمد رسول الله) كما جاء في الأثر, وان المضاد لحزب الله هو حزب الشيطان, والعياذ بالله. وفي الآونة الاخيرة اراد بعض المسلمين ان يستحوذوا على التسمية ويخرجوا بقية المسلمين منها في السباق الساخن حول صبغ دعوات سياسية بصبغة دينية. عن الجمهور العام في بعض الدول, والتي هي بطبيعتها اسلامية, لنيل سبق الولوج الى الجماهير, وككل التسميات والمصطلحات تنتقل دلالتها بعد فترة من الاستخدام والممارسة ليضعف التوجه العام في التسمية, ويبقى الخاص وهو أفعالها, ولكن ذلك لا ينفي استخدامها السياسي لأغراض دنيوية لفترة قد تطول. في العراق اليوم حركة يقودها الحزب الحاكم بهذا الاتجاه, وهو الذي تسميه أدبياته وتصريحاته (الدعوة الايمانية) فقد أقر الحزب الحاكم هناك ان يستخدم تثقيفا واسعا في الفقه الاسلامي لكوادره. وتتنوع الدوافع التي يراها المراقبون لهذا التوجه, وقد تكون بعض التفسيرات موجبة في هذه الحال. بعض هذه التفسيرات يرى ان هذا التوجه هو مصمم لاستيعاب التيار المتزايد في المنطقة العربية للتوجهات الاسلامية السياسية, وتوظيف هذا التوجه في العراق في ثنايا الحزب الحاكم واستخدامه لمصلحته وحتى لا يصبح الحزب معزولا عن هذا التوجه ومعرفة خباياه من جهة, ولقطع الطريق على أي تيار سياسي لاستخدام هذا التوجه لخلخلة الوضع القائم والانقضاض عليه من الداخل, فهو عمل احترازي يستبق المفاجآت. وتجري العناية بالتثقيف الفقهي على مستوى جميع الكوادر في حزب البعث العراقي, ويدخل العضو المسابقات الرسمية ليثبت استيعابه ومدى قدرته على المناقشة في الموضوعات المعروضة سابقا لترقيته لأي مركز قيادي في الحزب أو الدولة. والبعض يرى تفسيرا ثانيا, وهو ان دافع ذلك التوجه ما فسره النظام العراقي بعد سنة 1990 بأن تيارات سياسية اسلامية في الفضاء العربي السياسي قد أيدته فيما ذهب اليه من احتلال الكويت, وسيرت التظاهرات منادية بتأييده, وان ذلك دليل على انه لا تناقض بين (القومي) و(الاسلامي) من المنظور السياسي للنظام, وفي الفترة الراهنة لا بأس من استخدام هذا التواصل لتوسيع قاعدة الخطاب السياسي العراقي, وكسب انصار ومساندين في الخارج, نتيجة العزلة التي تتمثل في الانحسار العربي والدولي عنه. أما التفسير الثالث فيذهب للقول الى ان الانظمة الدكتاتورية في أزمتها الخانقة تميل الى اعطاء الشعب تفسيرات تتصور انها تحول دون نظر شعبها الى الواقع الراهن المأزوم, وتتطلع الى مأمول مرتجى في المستقبل يكون افضل وأكثر ازدهارا, وهناك صيغ جاهزة تتكىء عليها مثل هذه الانظمة لتجاوز الحاضر, بالبحث عن استاتيكية في العناصر التراثية وتوظيفها لتحقيق مصالحها السياسية. مهما كانت التفسيرات لخطوة النظام العراقي بالتوجه غير المسبوق للدعوة الايمانية كما يسميها, فإن المؤكد ان وراءها أهدافا سياسية لا شك فيها يريد منها النظام العراقي في النهاية ان يؤكد بقاءه, ويبرر واقعه ويأمل باستمراره بتعاطي التراث بشكل قسري وبانتقائية سياسية عالية. الحركة الاسلامية في العراق ليست جديدة. فثورة العشرين في بداياتها الاولى في العراق هي ثورة فجرها في البداية وقادها رجال الدين العراقيون في الجنوب ضد الوجود البريطاني, ولكن لم يصر في حينها الى تجذير الثورة وتقنينها لا على شكل سعي واع نحو الامساك بالسلطة السياسية, ولا على شكل تيار حركي اسلامي يواكب الحركة الاسلامية في بعدها السياسي في العراق, وقد ادى فشل تلك الثورة الى صعود مجموعة من الافكار النقيضة التي تحولت الى تيارات سياسية, منها المناداة بفصل الدين عن الدولة حتى بين بعض رجال الدين الذين عزفوا عن الاشتراك في الحركات السياسية الكثيرة بعد ذلك لكونها لا تؤدي الى الهدف المنشود, وهو إسعاد الشعب والحفاظ على حرياته. ولقد اجتاحت العراق في سني النصف الثاني من هذا القرن تيارات سياسية قومية او أممية لم تجد للدين او رجاله مكاناً في السياسة او متسعاً من القول في الشأن العام, فسقوط الحكم الملكي في العراق وحكم عبدالكريم قاسم وما واكبه من تطرف ثم ما تلاه من تغيرات بوصول حزب البعث العراقي الى الحكم بتفرعاته المختلفة ومجموعاته المتناقضة, أفرز كل ذلك مجتمعا يعيش فيه الإسلام غريباً معزولاً بل ومطارداً من ينتمي اليه من الناس, وأصبح المواطن المسلم الذي يمارس الشعائر الإسلامية علنا مهمشاً في البداية, ثم اصبح بعد ذلك مطارداً هو وأسرته بعد نمو أفكار وطروحات دينية سياسية في بعض المدن العراقية, ولم يكن مستغرباً في مثل هذه الأجواء أن تخلو المساجد من الشباب خاصة, حيث كانت المغريات في خارجها كثيرة, ولم يكن يؤمها الا القليل من بعض كبار السن, وقد عاش الإسلام في هذه الفترة في العراق مرحلة مظلمة, حيث أصبح السعي لصلاة الفجر تهمة تضاف للمتهم السياسي, وتشكل سلبية تضاف الى سلبياته. ولم يكن رجال الدين في العراق عامة, وخاصة في الجنوب, ليتسامحوا مع وضع كهذا, فرغم ان البعض منهم اراد تجنب المواجهة مع نظام دموي فاجر في خصومته السياسية الى حد الولوغ في الدم البشري, الا ان بعضهم قد حاول تأسيس تيارات (أحزاب سياسية) ذات قاعدة دينية, كان من بينهم السيد المرحوم محمد باقر الصدر الذي أسس قبل ذلك تياراً فكرياً يلائم بين الحاجات المتطورة للشعب والثوابت الإسلامية حتى غدت كتبه من المراجع في هذا الخصوص, الا ان هذه المحاولات قد صدت بعنف واغتيل او قتل او أعدم بعض قياداتها, وقد أجبر البعض من رجال الدين بسبب القمع والمتابعة والتقصي من السلطات الأمنية على أن (يفتي) بتحريم الانتماء الى احزاب دينية (حزب الدعوة) وكانت هذه الفتوى مؤقتة بسبب ظروف الاستئصال, وبعد اندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية زادت حدة المواجهة بين تيارات دينية سياسية وبين النظام العراقي, وقد استخدمت فيها كل الأسلحة الممكنة بما فيها سلاح الوطنية الذي اعتبر ان هذه التيارات هي تيارات (للطابور الخامس)! والمعادي الوطني الأول. في أثناء الانتفاضة الشعبية في ربيع 1991 قامت السلطة العراقية بهدم المساجد والحوزات الدينية والرماية على من التجأ اليها من المواطنين خوفاً من القصف المدفعي, لأن الانتفاضة حملت رائحة دينية, ولم يكن هناك رادع لا قانوني ولا أخلاقي خاص أو عام لوقف هذه التصفيات العشوائية, وكان ذلك تأسيساً على عداء سافر ومستمر لأي حركة سياسية اسلامية في العراق أو أي حركة سياسية اخرى, وهي سياسة التحرش والاستدراج ثم المباغتة, وقد كانت هذه الممارسة سائدة دائماً ضد أي دعوى سياسية تناقض او تعترض على الخطاب السياسي القائم, وخاصة ذات الصبغة الدينية. بعد هذا التاريخ الطويل من التناقض يأتي اختيار كلمة (لا إله إلا الله) لوضعها في وسط العلم العراقي وكأنها استجداء ظاهري لقرار سياسي مخالف, قد لا يتوقف عنده الكثيرون في الرمزية السياسية, أما ان يقرر النظام ان يقوم منتسبو حزبه بدراسة الفقه الاسلامي, ويدخلوا في مسابقات رسمية في مثل هذه الدراسات كشرط للترقية في كوادر الحزب والدولة, فهي الظاهرة اللافتة للنظر. الحزب والدولة اللذان أفاضا في بياناتهما السابقة في التهوين بل والمخاصمة الحادة والاجتثاث الجذري لمثل هذه الافكار او القريب منها, يتبنيان اليوم العودة اليها وتدريسها, فالغرض هنا يتجاوز المسايرة ليتحول الى استعداد فكري لمواجهة لم تكن محسوبة في أجندة النظام, بل ومحتملة الحدوث, او لايجاد حصانة غير الحصانة السابقة التي تلفظ أنفاسها, لتضليل أكثر, واستمرار في السياسات نفسها مع تغيير في الإطار الخارجي. قبل درس محتوى ومنهج الدعوة الايمانية لا يستطيع المراقب ان يخرج بنتائج قاطعة لدوافع هذا التوجه السياسي, انما الاشارة اليها تدعونا الى التفكير في أن النظام العراقي يتجه الى احتكار دعوة إيمانية خاصة به ومصممة على هواه, لإكمال ما بدأه من تدمير لبلاده أولاً, وللمنطقة المحيطة ثانياً, وقد يضلل البعض من جديد من جراء الثوب الذي يريد ان يرتديه.