كامب ديفيد, اول اتفاق سلام بين اسرائيل ودولة عربية, ادى الى عزل مصر وغزو اسرائيلي للبنان. واوسلو افرزت تقاربا أمنياً بين السلطة الفلسطينية والاردن ومصر, ووادي عربة ادت إلى انفصام الاردن عن العراق والمزيد من الانفتاح العربي الرسمي على اسرائيل . غير ان اتفاقا بين سوريا واسرائيل, اذا تبلور كما هو متوقع بالشواهد المرئية, سوف يكون له من التداعيات ما يجعل كل ما قبله من تحولات ضئيلا ومتواضعا بالمقارنة. التغيرات الانقلابية التي تعقد ألسنة الجميع من الدهشة لفجائيتها تكون عادة نتيجة نهائية لاتصالات ومساومات تراكمية تجري تحت السطح. والاتفاق المبدئي بين سوريا واسرائيل برعاية امريكية الاسبوع المنصرم للدخول في عملية تفاوضية جادة بهدف التوصل الى معاهدة سلام نهائية هو من نوع هذه التغيرات الانقلابية الخطيرة. ولذا فان ما يمكن ان يترتب عليها من تداعيات مسلسلة في المنطقة اذا ابرمت معاهدة السلام. واخيراً خلال بضعة شهور كما هو متوقع يكون منطقياً بحجم التغير وخطورته. وكما هو معلوم فانه بناء على الاتفاق السوري الاسرائيلي المبدئي المعلن فان العملية التفاوضية يجب ان تبدأ من حيث توقفت قبل ثلاث سنوات. اي تكون نقطة البداية المشتركة هي قبول اسرائيلي بالجلاء عن ارض الجولان المحتلة مقابل موافقة سورية على منشآت امنية للانذار المبكر على نقاط يتفق عليها في ارض الجولان وترتيبات اخرى فرعية. والشواهد المرئية تفيد بأن ثمة شوطاً طويلاً قطعه الطرفان على طريق التفاوض في اطار اتصالات سرية عبر وسطاء... وربما ايضا بصورة مباشرة مما يمكن أن يستدل منه ان المسار التفاوضي بين الطرفين لن يتعلق الا بتفاصيل. فهل يمكن اذن تصور خطوط عريضة لسيناريو مستقبل الخريطة السياسية في الشرق الاوسط بعد ان يتم التوقيع على معاهدة سلام كاملة بين سوريا واسرائيل؟ نعم... يمكن الى حد ما.. وكخطوط عريضة. واول ما يخطر على الذهن بصورة فورية في هذا السياق هو المشهد اللبناني بالنظر الى ارتباطه العضوي بالوضع السوري. وليس من المتصور اطلاقا ان يرتضي الاسرائيليون اتفاقا رسميا بالجلاء عن هضبة الجولان الاستراتيجية دون استكمال مثل هذا الاتفاق باتفاق آخر بشأن وضع الجنوب اللبناني. بل ان استراتيجية الامن الاسرائيلية تجاه لبنان تقوم على اساس ضرورة ضمان امني يضع نهاية لاي نشاط هجومي عسكري ضد اسرائيل انطلاقا من اراضي الجنوب اللبناني. ولتحقيق ذلك تراهن اسرائيل على ان اية صفقة سلام مع سوريا يجب ان تتضمن تعهدا سوريا جادا بتصفية وجود المقاومة اللبنانية المسلحة في الجنوب بصورة نهائية. والا فان اتفاق السلام لن يكون له قيمة امنية كاملة من المنظور الاسرائيلي اذا كان يعني التفريط في ورقة الجولان مع استمرار قوات (حزب الله) في استنزاف اسرائيل دمويا عبر الحدود. ومع ان اسرائيل تراهن في هذا الصدد على نفوذ دمشق السياسي في لبنان المدعوم بوجود عسكري قوي فان التكهن بنوايا (حزب الله) المستقبلية صعب نوعا ما. ما يعلنه قادة (حزب الله) اللبناني حتى الان هو انهم لا يتبنون اي هدف استراتيجي غير تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال العسكري الاسرائيلي. المفترض اذن ان هذه المنظمة سوف تقبل طوعا بحل نفسها كقوة مسلحة مقاتلة فور ان تستكمل ترتيبات السلام بين اسرائيل من ناحية وسوريا ولبنان من الناحية الاخرى وبالتالي ينتهي الاحتلال الاسرائيلي, في كل من الجنوب اللبناني والجولان. وبناء على هذا الافتراض فان (حزب الله) يتحول ببساطة الى حزب سياسي عادي يمارس نشاطه سلميا في الساحة السياسية اللبنانية. غير ان ميثاق (حزب الله) ينطوي على ما هو ابعد من مجرد العمل على تحرير ارض لبنانية. انه في الحقيقة يتبنى اجندة سياسية اكثر شمولا وابعد مرمى... فميثاقه يتحدث عن صراع حضاري ازلي ضد اليهود من منطلق اسلامي يتضمن تحرير ارض فلسطين بأكملها من النهر الى البحر. بكلمات اخرى فان (حزب الله) يرى في الدولة اليهودية (صراع وجود) لا مجرد نزاع حدودي وقتي. ومثل هذه الاجندة قد تقود الحزب ـ اذا ما اصر عليها ـ الى صدام مع سوريا الاسد ومع الحكم اللبناني والقوى السياسية اللبنانية في حالة تبلور اتفاق سلام بين اسرائيل وكل من سوريا ولبنان. واذا وقع مثل هذا الصدام فانه قد يجر ايران ايضا. أحمد عمرابي