في بعض البلدان النامية قد يفقد الانسان أكثر من وظيفته اذا استفسر عن أوضاع بعض المسئولين او ثروات بعض الرؤساء, أو حاول البحث عن السر في وصول بعض الاشخاص الى وظائف معينة دون مؤهلات تذكر.. سوى مؤهل واحد هو اتقان فن الوصول السريع ! ولن نكون متحاملين على بلدان العالم النامي, فالفساد عالمي الجنسية لا يختص بثقافة معينة او بلد محدد, لكنه يزيد وينقص وينتشر ويكون محدوداً بحسب سلطة القانون وسيطرة اجهزة الرقابة المجتمعية, ومدى انتشار الثقافة الديمقراطية الحقيقية التي تنتهج اسلوب الرقابة والمتابعة والمساءلة على طريقة (من أين لك هذا؟) وعليه فإن الغوغائية السلطوية والاثراء المبالغ فيه من جراء سرقة المال العام ظواهر تنمو بشكل اوضح وأسرع في بلدان الضبابية السياسية, وهي لا تنمو من فراغ, وليست شيئاً من الكيمياء او اسراراً لاهوتية, انها حالة مجتمع, يفرزها, وينميها, واحياناً يكافئ أصحابها في حفلات باذخة. كلنا يتذكر سوهارتو الذي اكتشف ان ثروته بعد الانقلاب تقدر بـ 45 مليار دولار عداً ونقداً حسب تقديرات المتابعين والمحللين للحدث الاندونيسي يومها, واذا كان سوهارتو قد حكم 33 عاماً فمعنى ذلك انه راكم ثروته هذه بما يعادل مليارا و400 مليون دولار سنوياً, لكنه حين سئل عن مصدر ثروته على طريقة من أين لك هذا؟ أجاب: انها تراكم جيد لمدخراتي من راتبي الرئاسي الشهري!! اجابة طبيعية لمنطق ديكتاتوري يفترض غباء الآخر دائماً ويلغي شروطه الانسانية جهرا ويسرق حقه سراً وعلانية. في افريقيا عرف العالم واحداً من أغنى الرجال على الاطلاق هو موبوتو سيسيكو الذي حكم واحدة من أفقر دول العالم هي زائير التي برغم كل مآزقها وفقر المواطن الزائيري فيها, وبرغم محاكم التعذيب والقتل والاختفاء, الا ان هذا لم يمنع موبوتو ورجاله من ان يملكوا المليارات بعيداً عن زائير, وان تكون له ولهم فنادق وقلاع وشقق فاخرة في بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة, فهل كان راتب موبوتو الشهري ايضاً قد راكم كل هذا الثراء الفاحش؟. لقد تحصل موبوتو كما يقول اروين بلومنتال وهو مصرفي الماني ارسل الى زائير بواسطة صندوق النقد الدولي عن طريق السرقة حيث يقول هذا المصرفي: ان 18% من الميزانية القومية لزائير تخصص بصورة روتينية لاستخدام موبوتو الشخصي. في هاييتي يتكرر المشهد نفسه حيث تأتي المعونات الامريكية والغربية لهذاالبلد, لكن كما يقول (جراهام هانكوك) في كتابه (سادة الفقر) فإن المهمة الرئيسية لهذه المعونات على ما يبدو هي تمويل ظهور المصابين بداء السرقة, حيث قام صندوق النقد بدفع 22 مليون دولار لخزينة تاهيتي ذات عام وبعد يومين اكتشف فريق من خبراء الصندوق ان الرئيس سحب 20 مليوناً من هذا المال لاستخدامه الشخصي. الديكتاتورية لا تنمو في الفراغ وهؤلاء يكونون طبقة اخرى حامية للطغيان ومن ثم يسندونها كي تحمي طغيانهم, لهذا يقولون بأن هناك وظيفة رفيعة المستوى في كثير من دول العالم النامي مهمة اصحابها حراسة الفساد والدفاع عنه وتمكين كل الضمانات لاستمراره, هؤلاء يسميهم علماء الادارة (حراس) او صناع الديكتاتورية الذين يتسلقون أرفع المناصب بدون وجه حق!