لا يسمع المسئولون عن الفضائىات العربية ولايقرأون ما يوجه إلى قنواتهم من انتقادات, تزيد درجة سخونتها في رمضان, بسبب زيادة نسبة البرامج الخاصة بهذا الشهر, وذلك لسبب بسيط, هو أن هؤلاء المسئولين يعيشون في الفضاء فيما من يوجه النقد من كتاب وصحفيين ومشاهدين على السواء يعيشون على الأرض . ولا أعرف مؤسسات أو أجهزة في العالم العربي يوجه لها كل هذا النقد والاتهام بالسطحية والتفاهة والتدمير والتخريب, مثلما هي الاتهامات الموجهة كالصواريخ للفضائيات, ومع ذلك فلا اذن سمعت ولا عين رأت, وعاماً بعد آخر تزداد الفضائيات سوءاً وتنكشف عورة, إلا من عصم ربي, وهذا قليل نعده على أصابع اليد الواحدة, في محطات تحظى بالاحترام, مع ملاحظات قليلة عليها. طبعا المسئولية عن تردي هذه الفضائىات وسطحيتها وتخلف بعضها وترويج بعضها الآخر للترفيه الرخيص, يعود اكثر ما يعود الى الحكومات العربية نفسها, لا إلى المسئولين المباشرين عن هذه المحطات كمديريها أو العاملين بها, ذلك لأنه من أصل 30 محطة عربية تبث فضائيا هناك 25 محطة تملكها حكومات, بينما يملك القطاع الخاص خمس محطات فقط, فيها على الأقل محطتان أو ثلاث متميزة ببرامجها وخدماتها الاخبارية والثقافية. المعنى طبعاً أن اللوم يقع أكثر على المحطات المملوكة للحكومات, لأن هذه تنفق مئات الملايين من الدولارات سنوياً على هذه المحطات (اجمالي رأس المال التشغيلي للفضائيات العربية ثلاثة مليارات دولار سنويا), ومع ذلك فهذه المحطات لا تتطور ولا تواكب الاحداث ولا تعبر عن مجتمعاتها المحلية ولا تعمل على رفع ذوق وثقافة مشاهديها, إلى آخر الاهداف التي من المفترض ان كل محطة تضعها في مقدمة أولوياتها, اضافة بالطبع الى تقديم صورة حسنة عن بلدانها ونشاطاتها ومشكلاتها, ما يعني ان المليارات تصرف هباءً منثوراً في الفضاء. غير أن المشكلة الأخطر من مجرد صرف الأموال أن هذه المحطات تبث 8500 ساعة سنويا لا تنتج مقابلها أكثر من 3500 ساعة بث, فتستورد بقية الساعات لتغطية ضعف الانتاج المحلي, ما أدى بدوره الى رفع سعر الانتاج الخارجي بمعدل عشرة أضعاف سنويا, حسب مدير إحدى المحطات, الى درجة إن إمكان استمرار محطات بات مشكوكاً فيه من دون استمرار الدعم الحكومي, أي الهدر مرة أخرى, طالما أنه دعم من دون نتيجة إعلامية جيدة. ويعرف المشتغلون في حقل الاعلام والاعلان, أن كل هذا الصرف على المحطات لا يوازيه مدخول, ذلك لأن حصة الفضائىات العربية من سوق الاعلانات تقدر بحوالي 100 مليون دولار سنويا فقط, يذهب منها نحو 40% لشركات الاعلان, فلا يتبقى منها لكل محطة سوى مليوني دولار فقط كإيراد سنوي في أحسن تقدير. وهكذا فإن صورة الفضائيات التي تلمع في الفضاء ليست كذلك على أرض الواقع, لا مادياً ولا إدارياً ولا إعلاميا, فهي تعيش واقعاً مظلماً ربما يهدد بعضها بالاغلاق أو الدمج أو تقليص ساعات البث, غير أن ما يهمنا منها كمشاهدين ليس مصيرها بل مصيرنا, فمن الواضح ان الحكومات تصرف على هذه الفضائيات أموالا طائلة من دون أدنى نتيجة, لا مادية ولا إعلامية, باستثناء نتيجة واحدة بات كل مشاهد يعرفها ويشكو منها, هي: خراب بيوتنا!