بانقلاب القصر الذي قام به الرئيس السوداني الفريق عمر البشير يكون قد حسم أمره نهائيا باتجاه ان يكون اللاعب الأول الوحيد في الساحة السياسية السودانية, وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي, والمأمول ان تفتح هذه الخطوة بابا للانفراج السياسي والمصالحة الوطنية الشاملة لا ان تؤدي إلى مزيد من التعقيدات التي تزيد مشكلات السودان تفاقما . فقد شهدت الاسابيع القليلة الماضية نشاطا متعاظما للفريق البشير, تجلى في لقائه مع الصادق المهدي في جيبوتي حيث تم توقيع بيان المصالحة الذي عرف باسم (نداء الوطن) , كما قدم البشير مفاجأة ثانية باعادة العلاقات مع يوري موسيفيني الرئيس الأوغندي بعد ان كانت أوغندا والسودان في حالة عداء طويل وتتبادلان دعم قوى المعارضة المسلحة ضد البلدين . المفاجأة الثالثة جاءت في الداخل, وذلك في وقت بدا فيه ان عمر البشير قد بدأ يتراجع أمام البرلمان وحزب (المؤتمر الوطني) الحاكم وزعيمه الدكتور حسن الترابي, حيث كان من المتوقع ان يقر البرلمان اليوم (الثلاثاء) تعديلات دستورية تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية السوداني وتسحب منه اختيار وإقالة حكام الولايات, لكن البشير كان الأسرع حيث أعلن الطوارئ وحل البرلمان متعللا بـ (تشابك المؤسسات الداخلية والانفلات الحاصل في البلاد, والمهددات الأمنية) . والسؤال الذي يطرح نفسه الآن, هو: إذا كان عدد كبير من زعامات المعارضة ومن القوى الاقليمية ينسب إلى الدكتور الترابي (التطرف والأصولية) ويعتبره السبب الرئيسي في مشكلات السودان وتردي علاقاته مع جواره, فهل يؤدي هذا الانقلاب إلى تسريع المصالحة الوطنية الداخلية وتطبيع العلاقات مع الجوار, وبالتالي احتمال تغير طبيعة العلاقات بين السودان وواشنطن؟. أما السؤال الثاني الأهم, فهو هل نجح البشير بالفعل بحسم الصراع الداخلي لصالحه أم ان هناك جولات أخرى ستضيف مزيدا من عملية تفريخ الصراعات المدمرة في السودان بسبب الجذور العميقة للدكتور الترابي في النظام السوداني الحالي؟ أم ان هذا التصعيد السياسي قد ينشط آليات الحوار والاعتدال تمهيدا لاعادة صياغة الحياة السياسية السودانية بطريقة ديمقراطية تتسع لكل قواها الفاعلة؟ ما نرجوه ان ينجح السودان في التغلب على معاناته واستعادة وحدته وقوته لأن الأخطار المحيطة به من كل جانب لم تعد تسمح بمزيد من التآكل والانقسامات شديدة الخطورة على مستقبل الوطن.