بعد استعراض المجلس الاعلى لمجلس التعاون الخليجي مسيرة عقدين من العمل المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والاعلامية والعسكرية والامنية, وذلك في قمته العشرين والتي انتهت في الرياض في 29/11/1999م, قرر المجلس الاعلى اقامة اتحاد جمركي وتم اقرار التعرفة الجمركية الموحدة اعتباراً من الاول من مارس عام 2005م . وبالرغم من ان الشعور العام لدى الاوساط في مختلف دول المجلس كان يسير باتجاه ان تكون القرارات في هذه القمة قرارات تاريخية لا سيما في بعدها الاقتصادي الا ان تلك القرارات لم تكن بمستوى الطموح واقتصرت على قرار التعرفة الجمركية الذي سوف يطبق بعد خمس سنوات قد تطرأ خلالها احداث تعطل حتى هذا القرار. وبالرغم من ان المجلس الاعلى اكد على الرغبة والارادة الصادقة في تعزيز مسيرة التعاون لمواكبة المتغيرات الاقليمية والدولية بما يحقق التطلعات والاهداف السامية لهذه المسيرة, وبالرغم من انه قد اكد على اهمية مواصلة العمل لتعزيز الامن والاستقرار والتنمية لدول المجلس وشعوبها الا ان القرارات لم تكن بمستوى الطموح والرغبة الشعبية في دول المجلس في تحقيق تعاون اقتصادي يؤدي الى تكامل اقتصادي ينتهي الى وحدة اقتصادية فعلية وحقيقية تحقق الامن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الاستراتيجي لدول وشعوب هذه المنطقة. ان مجلس التعاون امام منعطف تاريخي ومرحلة انتقالية هامة بحكم انه على اعتاب الألفية الثالثة هذه المرحلة تتسم بتحديات كبيرة ومستجدات جسيمة سوف تغير من مسيرة العالم وسوف تفرض واقعاً مغايراً وسوف تشهد فكراً مهيمناً على المسيرة الحضارية ولا سيما فكر العولمة الذي يشكل تياراً قوياً وجارفاً لكل الافكار والرؤى التي لا تستوعب هذا الفكر ولا تستجيب لمتطلباته وهذا يتطلب وعياً دقيقاً وحاجة ماسة لمراجعة المسيرة التعاونية هذه التي مر فيها مجلس التعاون منذ انشائه وتقييماً موضوعياً للمنجزات التي تحققت ومدى استيعابها لمرحلة العولمة والمستجدات الاقتصادية خاصة على المستوى الاقليمي او الدولي وصولاً الى صياغة جديدة لتفعيل اكبر لهذا المجلس والاعداد لمرحلة مستقبلية نكون فيها اكثر استعداداً وقوة ورغبة للولوج الى قرن جديد ونحن اكثر اصراراً على التواجد في الساحة العالمية. واذا كانت اهداف مجلس التعاون والتي وردت في نظامه الاساسي ولا سيما في مادته الرابعة قد مضت على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الاعضاء في جميع الميادين وصولاً الى وحدتها (البند الاول من المادة) واذا كان هذا الهدف يتطلب تعميق وتوثيق الروابط والصلات واوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات ولا سيما المجالات الاقتصادية والمالية فإن ذلك لا يمكن ان يتم الا بتحقيق الشراكة الاقتصادية التكاملية (بالعمل على تنسيق وتوحيد سياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية وكذلك التشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية المطبقة فيها) . واذا كانت قمة الرياض الاخيرة قد اقرت التعرفة الجمركية الموحدة وذلك تنفيذاً لما جاء في المادة الرابعة من الفصل الاول من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون والتي اقرها المجلس الاعلى في مدينة الرياض بتاريخ 11/11/1981م فإن الاهمية القصوى في مسيرة مجلس التعاون تنفيذ بنود المادة الثامنة من الاتفاقية الاقتصادية والمتعلقة بانتقال الاموال والافراد وممارسة النشاط الاقتصادي واستناداً الى هذه المادة وكذلك المادة التاسعة من هذه الاتفاقية والتي تنص على (تشجيع الدول الاعضاء للقطاع الخاص فيها على اقامة المشاريع المشتركة بما يؤدي الى ربط المصالح الاقتصادية للمواطنين في مختلف المجالات) فإننا نجد ان انشاء سوق خليجية للاوراق المالية هو قرار هام يؤكد على حقيقة التعاون والتشابك وحرية انتقال رؤوس الاموال والايدي العاملة وما يبرر اهمية هذا القرار هو الاعتبارات التالية: اولاً مسوغات وأهمية السوق الموحدة: 1 ـ تحقيق الشراكة الاقتصادية التكاملية وذلك بازالة كافة المعوقات التي تعترض حركة انتقال رؤوس الاموال والموارد الاقتصادية والبشرية بين دول مجلس التعاون وتعزيزاً للبنية الاقتصادية بين دول المنطقة. 2 ـ تأكيد معاملة مواطني دول المجلس معاملة متساوية بتمكينهم من ممارسة دورهم وتملكهم لشركات يتم انشاؤها في دول المجلس وتكون الملكية مشتركة. 3 ـ توسيع السوق المحلية كي تصبح سوقاً خليجية تستوعب المنتجات والسلع والخدمات التي تنتجها الشركات المساهمة والمنشأة برأس مال مشترك وبالتالي يتم تجاوز عقبة رئيسية وهي ضيق الاسواق المحلية لكل دولة عضو. 4 ـ تحقيق الاستقرار المطلوب للسوق المالية في دول مجلس التعاون والتأكيد على سلامة الاوضاع المالية والادارية للشركات المساهمة حينما يتم انشاؤها برأس مال مشترك ويتم تداول اسهمها في مراكز سوق الاوراق المالية الموحدة بدول المجلس كافة وتلافياً لحدوث هزات كما حدث في سوق المناخ. 5 ـ تعزيز القوة المالية والادارية والتقنية للشركات والمؤسسات ذات رأس المال المشترك والتي يتم تداول اسهمها في السوق المالية وهذا يعني تعزيز وحدات القطاع الخاص كي يسهم بدوره. 6 ـ خلق فرص استثمارية امام الاستثمار الخليجي المشترك والمستثمرين الخليجيين وايجاد اوعية استثمارية كبيرة تعزز من القدرة الاستثمارية لرأس المال الخليجي بدلاً من تحجيمها في كل دولة عضو وبالتالي خروج رأس المال من منطقة مجلس التعاون الى مناطق خارجية قد تكون مخاطرها كبيرة. 7 ـ تضييق الفرصة امام الاستثمار الاجنبي ذي التأثيرات السلبية على الاوضاع الاقتصادية بالمنطقة, ولا سيما عند استثماره في قطاعات محدودة (قطاعات خدمية لا تنموية) وتكون قصيرة المدى بمعنى عدم استقراره, فيما يتصف الاستثمار الخليجي المشترك بمداه الطويل والحرص الاكيد على المشاريع التنموية المشتركة التي تخدم الاقتصاد الوطني في دول المنطقة. 8 ـ لمواجهة المتغيرات الاقتصادية الاقليمية والدولية والمستجدات العالمية التي تتمحور حول خلق كيانات اقتصادية وتكتلات تجارية دولية وعملاقة من خلال شركات العولمة الرامية لاجتثاث كل مكتسبات الشعوب والدول وترجمة تلك المواجهة بالمزيد من التكتلات وانشاء شركات قادرة على المنافسة والتواجد الدولي ولا سيما في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة. 9 ـ اهمية فتح القطاعات الاقتصادية بدول المجلس امام المستثمرين الخليجيين لمواجهة متطلبات التوجه نحو الخصخصة بدول المجلس وذلك بدلاً ان يتم تحويل الشركات المساهمة العامة من القطاع العام الى قطاع خاص يتصف بالهيمنة الاجنبية كما هو عليه الحال في قطاع الخدمات والتجارة بدول المجلس. 10 ـ تعزيز افضل وفعلي لحركة رأس المال وحرية الانتقال والعمل والاقامة وترجمة فعلية للممارسة الاقتصادية لابناء دول مجلس التعاون وذلك تنفيذاً لما نصت عليه المادة الثامنة من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة. ثانياً: الاليات والخطوات التنفيذية: ان الاهداف التي نص عليها النظام الأساسي لدول المجلس والذي تم التوقيع عليه في مدينة أبوظبي بتاريخ 25 مايو عام 1981 ولا سيما المادة الرابعة منه تؤكد على أهمية التنسيق والتكامل والترابط للوصول الى تحقيق الوحدة المنشودة, كما ان الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس والموقعة في قمة الرياض في 11 نوفمبر 1981 ولا سيما المادتين الثامنة والتاسعة منها تعزز التوجه نحو تحقيق التكامل والوحدة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون وصولاً نحو تحقيق الوحدة الشاملة التي ينشدها شعب المنطقة وقياداتها وفي ظل هذه الارضية القانونية فإن انشاء سوق موحدة للاوراق المالية هو امر تفرضه متطلبات المرحلة المقبلة ومستجدات عالمية وظروف دولية تؤكد على حقيقة واحدة هي ضرورة العمل المشترك الفعلي لا الصوري لتحقيق أهداف وطموحات شعبية اقلها تحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي سوف يؤدي الى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمؤدي بدوره الى تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وحتى يتحقق الهدف من وجود سوق موحدة للأوراق المالية على مستوى دول المجلس لا بد من اتخاذ الخطوات التالية: 1ـ مراجعة القوانين والتشريعات المنظمة لأسواق الاوراق المالية المعمول بها حالياً والقائمة لتأكيد حرية تداول اسهم الشركات المساهمة العاملة في دول مجلس التعاون. 2 ـ لا بد من مراجعة وتوحيد القوانين والتشريعات للشركات التجارية المعمول بها في دول مجلس التعاون بحيث يراعى فيها ملكية مواطني دول المجلس لشركات مساهمة يتم تأسيسها في دول المجلس او لتملك اسهم شركات قائمة سعياً لنفاذ الاتفاقية الاقتصادية ولا سيما المادتين الثامنة والتاسعة منها وتوفيق القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 84 في شأن الشركات ولا سيما المادة (22) منه والخاصة بملكية المواطنين بحيث يسمح القانون لابناء دول المجلس بتملك اسهم في الشركات المساهمة بالدولة. 3 ـ لا بد من وضع لوائح ونظم تحد او تحول دون حدوث اي مضاربات او فوضى تؤثر على سمعة سوق الاوراق المالية الموحدة. 4 ـ ضرورة وجود رقابة دقيقة وضوابط قانونية للحد من اي تجاوزات وقتية او اختراقات من غير ابناء دول المجلس في تملك اسهم الشركات الحالية او التي سوف يتم انشاؤها. 5 ـ ضرورة ان يتم وضع شروط ومواد يتضمنها القانون الموحد لانشاء السوق الموحدة تعزز من شأن الشركات المساهمة والتزامها بالشفافية والدقة في البيانات والاحصاءات والمعلومات التي تنشرها او يتم تداولها في السوق الموحدة. 6 ـ اهمية مراعاة التوقيت المناسب لتطبيق القانون الموحد لهذه السوق بحيث يتم تضييق التباين في الاسواق وغربلة الاوضاع المالية والادارية للشركات المساهمة بدول المجلس قبل ادراجها ضمن الشركات التي سوف يتم تداول اسهمها في السوق. 7 ـ توحيد المعايير والمقاييس والشروط التي تحدد قدرة الشركات المساهمة ومركزها المالي وسياستها الانتاجية ونوعية المنتجات التي تقدمها ومدى حاجة السوق الخليجية لها وذلك بمراعاة الاوضاع الاقتصادية بالمنطقة والمستجدات العالمية وقدرتها على مواجهة تدفق السلع البديلة او المماثلة التي سوف تدخل الى الاسواق الخليجية في ظل اتفاقية منظمة التجارة العالمية. ان تفعيل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس وبجميع موادها وبنودها, هو امر في غاية الاهمية لتعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي لمواجهة التكتلات العالمية لا سيما وان منطقة دول المجلس تواجه منعطفاً تاريخياً يتجسد في مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة, وهذه الاتفاقية سوف تعمق من الاهداف الاستراتيجية التنموية للدولة العضو ولمجموعة الدول المنطوية تحت لواء مجلس التعاون وان ارادة الشعوب سوف تتطلب تحقيق تجاوب اكبر مع متطلبات الاستقرار والتقدم والتنمية التي تنشدها وتعمل على تحقيقها تحت مظلة مجلس التعاون هذا. ويعد قرار حكومة دبي بفتح باب التملك العقاري والاراضي امام الخليجيين وكذلك قرار دولة قطر بطرح اسهم مؤسسة الاتصالات توجهاً صحيحاً نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية للمنطقة, كما أن حرية التنقل لابناء بعض دول المجلس بالبطاقة تعتبر خطوة نحو المسار الصحيح في تحقيق وحدة خليجية لشعب كان ومنذ الازل يعيش هذه الوحدة وذلك المصير ولعل في وجود تعرفة جمركية موحدة خطوة اولى نأمل ان يتبعها خطوات اخرى منها وجود سوق خليجية موحدة للاوراق المالية لمواجهة تحديات كبيرة تجسد روح العمل الواحد وتحدد المصير المشترك. ختاماً: ان الاتفاق على انشاء سوق موحدة للأوراق المالية بدول المجلس, يجب ان تسبقه اجراءات وإرادة نحو معالجة الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس سواء من حيث التشريعات والقوانين, او توفير المناخ المناسب للاستثمار العام والخاص او تطوير آليات النشاط التجاري والاقتصادي بدول مجلس التعاون, لتقليل التباين في اقتصاديات المنطقة والاتفاق على ضرورة العمل المشترك في ظل متغيرات عالمية, وكذلك اهمية ادراك اننا في مواجهة صريحة امام العولمة وتحرير الخدمات المالية وتكتلات مصرفية وتقنيات عالية. لا بد ان ندرك ان خروج الاسواق المالية لدول المجلس من ازمة الركود الحالية والتي طال امدها سوف يؤثر على سمعة القطاع الاقتصادي والمالي بهذه الدول بل ويضربها الامر الذي يؤكد على ضرورة التفكير الجاد في أن تعزيز اسواقنا لا يمكن ان يتم الا من خلال ربط هذه الاسواق ببعضها بعض تهيئة نحو العمل على وجود سوق موحدة للاوراق المالية بدول المجلس, كما ان توفير السيولة النقدية اللازمة للسوق يتطلب حرية اكبر لانتقال رؤوس الاموال والايدي العاملة لخلق قاعدة اقتصادية حقيقية وضرورة ان يكون هناك قدرة كبيرة وتقنية عالية وهذا لا يمكن وجوده في ظل سوق مالية ضيقة تعاني من محدودية السيولة وضعف التقنيات والوعي الاستثماري وانما تحتاج الى سيولة وقدرة على تسييل الاصول الى سيولة عند الحاجة ولا بد ان تتصف اي سوق بدرجة عالية من الشفافية. واذا كان هناك اتفاقيات قد ابرمت بين عدة بورصات في وطننا العربي لربط بعضها ببعض كما هو الامر بالنسبة لعملية الربط بين بورصة الكويت ومصر ولبنان وكذلك عملية الربط التي تم الاتفاق عليها بين بورصات الكويت والاردن والبحرين, فمن الاولى ان يتم ربط بورصات دول مجلس التعاون لتجاوز المشكلات الفنية والادارية والتقنية والاقتصادية وصولاً لتعزيز القدرة الاقتصادية والمالية لأسواقنا ولاقتصاديات المنطقة استعداداً لمرحلة تاريخية لن يكون فيها للضعيف شأن. * كاتب وباحث من الامارات