تبدو المنافسة الانتخابية الرئاسية الامريكية ونحن نقترب من انتهاء عام 1999 شأنا اكثر تعقيدا وغموضا مما كانت عليه قبل بضعة شهور مضت.حينها كان من المفترض عموما بان الحاكم الجمهوري لولاية تكساس جورج بوش ونائب الرئيس الامريكي الديمقراطي آل جور سيكونان المرشحين اللذين يمثلان حزبيهما في انتخابات نوفمبر 2000م . وقد حصل كلا المرشحين على تأييد معظم حزبيهما لهما, حيث يتمتع جور بدعم الحزب الديمقراطي له من خلفه ثقل الاقتصاد القوي ويحظى بوش ايضا بدعم الحزب الجمهوري كما حقق اكبر رقم من التبرعات الانتخابية في التاريخ الانتخابي الرئاسي حتى الآن, حيث يبلغ ما حققه 63 مليون دولار وبمعنى آخر كانا يظهران بمظهر المرشحين اللذين لايقهران. الا ان الحال ليس كذلك مع نهاية عام 1999 فبوش الذي قدم اداء سيئا خلال مشاركاته الجماهيرية العلنية يعيش الآن ما يمكن تسميته مرحلة سقوط حر في استطلاعات الرأي في ولاية نيوهامبشاير, ومع ان كل بقية المرشحين الجمهوريين هم مرشحون ضعفاء, الا ان عضو مجلس الشيوخ عن ولاية اريزونا السيناتور جون ماكاين المنشق عن الجمهوريين اخذ يستقطب اهتمام الناخبين والصحافة. قبل شهرين فقط من الآن, كان بوش يتقدم على ماكاين في نيوهامبشاير بنسبة 43 في المئة الى 23 في المئة, وحافظ بوش على تقدمه قبل شهر واحد لكن بنسبة اقل بلغت 38 في المئة والى 30 في المئة. اما اليوم فان ماكاين يتقدم على بوش بنسبة 43 في المئة الى 28 في المئة. مرد ذلك الى ان الناخبين الجمهوريين الراغبين بقوة في استعادة البيت الابيض, ظلوا طوال شهور يدعمون الصورة والحالة التي اتخذها ترشيح بوش, وطوال تلك الشهور لم يسمع هؤلاء الغاضبون او يروا بوش. فهم يعرفون بعض الاشياء عنه كما يعرفون اسم عائلته. اما الآن فقد اتيحت للناخبين الفرصة لتقييم مرشحهم وكانت النتائج مفاجئة جدا, ففي ردهم على ثمانية اسئلة من بينها: من تريد ان تراه رئيسا؟ من لديه المعرفة الكافية ليقود السياسة الخارجية؟ وغيرها. تقدم ماكاين على بوش في سبعة من هذه الاسئلة الثمانية. بل ان البعض في المؤسسة الحزبية الجمهورية اصبحوا عصبيين بعد ان رأوا اداء مرشحهم في المناظرات الاولى لهذا الموسم الانتخابي, صحيح ان ماكاين هو منشق عن الجمهوريين وترشيحه يهم المؤسسة الا انهم يعبرون عن مخاوفهم سرا فيما اذا كان بوش قادرا على الوقوف في وجه جور وبرادلي في الصراع الرئاسي, اذ ان الاسم والمال والدعم لاتكفي اذا لم يكن المرشح قادرا على الوفاء بمتطلبات التحدي الانتخابي. بعض المراقبين ما زالوا يشعرون بمقدرة بوش على اعادة ضبط المعادلة لصالحه, ومع ان من الممكن ان يخسر انتخابات نيو هامبشاير, لكن ذلك لايعني خسارته للانتخابات الرئاسية, حيث دعم المؤسسة له مازال قويا, كما انه ما زال يتعلم كما يقولون ولديه الوقت الكافي ليظهر للناخبين معرفته بكيفية الحكم لينعكس خط سيره الصاعد حاليا. واصبح ماكاين حاليا الفتى المدلل للصحافة فقد نشرت مجلة التايم في عددها الصادر هذا الاسبوع تقريرا مبهرجا عن ماكاين (بطل الحرب) و (المصلح) وهما صورتاه اللتان تقدمان اداء طيبا بين الناخبين الذين يفضلون مرشحا منشقا. وعلى الجانب الديمقراطي ايضا, جرب المتصدر القوي التحدي من منشق على الحزب. فقد عاد بيل برادلي, السيناتور السابق للحياة السياسية بعد ان كان اعتزلها عام 1996 قائلا بان النظام اصبح (منهارا) ليخوض منافسة قوية ضد نائب الرئيس آل جور. ويتحدى برادلي الذي بقي في مجلس الشيوخ 28 عاما (سياسات واشنطن) كما يريد برادلي الذي جمع تبرعات انتخابية تعادل ما جمعه جور ان يجري اصلاحات مالية على نظام الحملات الانتخابية. ونتيجة لذلك كان على جور ان يجري تعديلات جذرية على استراتيجية حملته فقد نقل قواعده الى ناشفيل وتينيسي ليتفادى التورط في تقاليد واشنطن كما غير اسلوبه ليتخذ طابعا اكثر هجومية, بل انه اتخذ احيانا دور اليائس من الفوز ليطلب من برادلي التحدي في مناظرات بينهما مهاجما برامجه بشراسة ممضيا ساعات طوال وهو يجتمع بناخبيه رجلا لرجل طالبا منهم الدعم. واحيانا يأخذ جور لنفسه خطا متقنا جدا بين كونه نائب الرئيس الامريكي والمرشح الديمقراطي للرئاسة الامريكية. ويبدو جور حاليا وقد اوقف تراجعه ليسير مع برادلي ندا لند في الولايات التي ستشهد الانتخابات المبكرة, لكن ما يؤرق نائب الرئيس الآن هو انه في استطلاعات الرأي للولايات الاخرى خصوصا الجنوبية منها حيث كان من المتوقع له ان يفوز بسهولة, اصبح برادلي حاليا يظهر مؤشرات على انه اقترب من ان ينافس جور بشدة. وهذا يعني ان السباق الديمقراطي ايضا سيكون سباقا شديدا حتى نهايته. على كل فما زال الاكثر احتمالا هو ان بوش وجور يمتلكان ارصدة قوية من الدعم يمكن لهما استمداد المساندة التي يحتاجانها للفوز بترشيح حزبيهما لهما. لكن النصر لن يكون امرا سهلا على اي منهما, بل ستكون له تكاليفه ايضا. واذا ما فاز بوش فسيكون حينها مرشحا منهكا ومطعونا بفوزه, باعتباره نتيجة لدعم المؤسسة الحزبية له فقط. اما الناخبون الذين كانوا يفضلون المنشق عن الحزب, فربما بدأوا حينها بالبحث عن منشق مستقل لاعطائه اصواتهم في نوفمبر 2000. كذلك فان فوز جور قد يفرز نوعا مشابها من الاغتراب بين الناخبين الليبراليين. والخطر الاكبر الذي يحس به جور هو انه اذا ما اضطر لخوض السباق الديمقراطي حتى آخره فسيكون حينها قد بدد كل التبرعات التي حسبها خلال حملته, ليتعرض للشيء ذاته الذي تعرض له بوب دول عام 1996. وحري بنا ان نتذكر بأن دول كان قد فاز في الانتخابات الاولية الا انه انفق كل ما جمعه من التبرعات ليحقق ذلك الفوز, وخلال الشهور التي تلت الانتخابات الاولية في يونيو وحتى بداية الانتخابات في سبتمبر حينما يحصل المرشحون على مخصصاتهم من الحكومة, لم يعد دول قادرا على منافسة الهجوم الاعلامي الشرس الذي شنته حملة كلينتون التي كانت لا تزال لديها أموال كبيرة. خلاصة القول هو ان الحملات الانتخابية الرئاسية ابعد ما تكون عن النهاية, هذا ان لم تكن قد بدأت للتو فعلا. والامر لم يعد سباق بوش ضد جور فقط, اذ يمكن للمنافسة ايضا ان تكون بوش ضد برادلي او ماكاين ضد جور او حتى ماكاين ضد برادلي, وعلينا الا ننسى بأنه ستكون هناك حملات مستقلة واخرى اصلاحية من شأنها ان تزيد من سخونة المنافسة عام 2000 وصعوبة التنبؤ بنتائجها. على كل حال من المستحيل ان نضع تقييما للوضع الذي ستكون عليه الانتخابات حين بدايتها عام 2000 ونحن عند نهاية عام ,1999 دون ان نلقي نظرة ايضا على حال المنافسة الانتخابية على مقاعد الكونجرس, فالحملات الانتخابية للفوز بـ 331 مقعدا في مجلس الشيوخ و435 مقعدا في الكونجرس ستجري, فيما التركيز منصب على الانتخابات الرئاسية العام المقبل. وقد اشار محلل سياسي واسع الاطلاع مؤخرا بأنه اذا كان التعطش لاعادة السيطرة على البيت الابيض هو ما يحرك الجمهوريين عام 2000 فان الرغبة التي لا تقل قوة للهيمنة من جديد على الكونجرس هي ما تحفز الديمقراطيين. في مجلس الشيوخ يتمتع الجمهوريون بأغلبية عشرة مقاعد على الديمقراطيين, 55 مقابل 45. ومن شأن تغير وضع 5 مقاعد ان يفرز التعادل. الا ان ذلك يبدو امرا بعيد الاحتمال, فمن بين 33 مقعدا يسيطر عليها الجمهوريين, سبعة فقط هي المرشحة للتبدل, كذلك هو شأن اربعة من مقاعد الديمقراطيين. ومن غير المحتمل ان يتمكن الديمقراطيون من سحب خمسة مقاعد من تحت الجمهوريين. بينما يبقون محتفظين بمقاعدهم. الا ان هذه المسافة, على كل حال, ستكون قوية حقا, واذا ما كان الحزبان قد شهدا منشقا عنهما في الانتخابات الرئاسية, فان هناك منشقين عن الحزبين ايضا يخوضون المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ, وباعتبار ان الناخبين عموما اصبحوا ينظرون بجدية اكبر للمنشقين, ينتظر ان يكون السباق على مجلس الشيوخ مثيرا ايضا عام 2000. اما في مجلس النواب, فان فرص الديمقراطيين في السيطرة تبدو افضل بكثير ففي هذا المجلس ايضا يتفوق الجمهوريون بفارق 10 مقاعد, لكن مع وجود اكثر من 20 نائبا جمهوريا قرروا التقاعد او المنافسة على مناصب سياسية اخرى, مقابل 5 ديمقراطيين فقط, فان فرص الديمقراطيين في الحصول على المقاعد الخمسة التي يحتاجونها للسيطرة على المجلس تبدو أفضل. هناك بعض المقاعد الجمهورية ذات فرصة اكبر في العودة الى السيطرة الجمهورية, الا ان هناك ما يكفي من هذه المقاعد المؤهلة لتنتقل للديمقراطيين, وهو ما يجعل الجمهوريين يخشون الآن من ان سيطرتهم على الكونجرس التي استمرت لست سنوات قد اقتربت على نهايتها. ومثلما ابدت المؤسسة الجمهورية رغبتها القوية في ضمان تهيئة الساحة للمنافسين من داخلها وساهمت في جمع مبالغ طائلة من التبرعات لمساعدة بوش في تحقيق نصره, فان الديمقراطيين فعلوا الشيء ذاته ايضا (مع ان ذلك كان ضمن جو من الآمال الاكثر قوة بالنجاح في الكونجرس). اذ اقنعت قيادة الحزب بعض الاعضاء الذين يفكرون بالاستقالة في الانتظار لدورة اخرى كما جندت افضل مرشحيها لخوض السباق على المقاعد المفتوحة امام المنافسة. اضف لذلك ان لجنة الكونجرس الديمقراطية قد حققت سجلا قياسيا في جمع التبرعات لمساعدة هؤلاء المرشحين. وعلى الرغم من ذلك تظل المهمة التي تنتظرهم صعبة التحقيق. لكن الاثارة المنتظرة في هذا السباق بالتزاوج مع بعض السباقات القوية ذات الطابع المتميز, مثل المنافسة بين هيلاري كلينتون ومحافظ نيويورك رودولف جيولياني, تعدنا بأننا سنشاهد سباقات ذات زخم ضخم في العام 2000.