هل يعقل ان يقدم الرئيس اليوغندي يورى موسيفيني الحليف الاول للولايات المتحدة في افريقيا على ابرام اتفاق امني مع النظام السوداني العدو الاول للولايات المتحدة في افريقيا... ويكون الاتفاق موجها ضد جون قرنق اكبر عميل لامريكا في القارة الافريقية ... هل يعقل ان يقدم موسيفيني على مثل هذه الخطوة العملاقة الخطيرة دون توجيه من واشنطن او على الاقل تشاور مسبق معها؟ واذا كانت الاجابة البدهية هي طبعا بالنفي فما الذي دفع بالرئيس اليوغندي ومن ورائه واشنطن الى قلب معادلة العلاقة اليوغندية السودانية بالتصالح مع النظام السوداني على حساب حركة قرنق الحليفة ليوغندا لمدى سنين طويلة؟ لقد تم انجاز الاتفاق وفقا لوساطة قام بها الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر, لكن قبل وساطة كارتر كان الرئيس اليوغندي قد طلب وساطة رئيس جنوب افريقيا تابو مبيكي. ولكي نستوعب لماذا سعى موسيفيني الى الوساطة اصلا علينا ان نستدعى الى الذهن امرين: اولا: موسيفيني يواجه ثلاث حركات متمردة في آن معا داخل يوغندا. فبالاضافة الى حركة (جيش الرب) في الشمال على الحدود مع السودان هناك (جبهة تحرير غرب النيل) في الشمال الغربي وحركة (القوى الديمقراطية المتحدة) في الجنوب الغربي. كلها حركات مسلحة تعتمد اجندة عرقية موجهة ضد اقلية قومية (التوتسي) التي ينتمي اليها الرئيس موسيفيني وتستأثر وحدها بالحكم. ثانيا: يوغندا متورطة في حرب اقليمية مع ست دول افريقية اخرى في منطقة البحيرات العظمى. في هذه الحرب تقود يوغندا تحالفا عسكريا مع رواندا بتكليف امريكي بغرض اسقاط نظام الرئيس كابيلا في الكونغو المعادي للولايات المتحدة. وعلى الطرف الآخر يتمتع كابيلا بدعم تحالفي من انغولا وزمبابوي وناميبيا والهدف الاستراتيجي الاعظم للولايات المتحدة هو ان يكون اسقاط النظام في الكونغو مقدمة لاقامة انظمة حاكمة عميلة في منطقة البحيرات العظمى تكون كلها من اقلية (التوتسي) المبغوضة في المنطقة. وما بين قتال داخلي على ثلاث جبهات وحرب خارجية اقليمية اخذ وضع قوات الحكومة اليوغندية يتدهور بتسارع خطير. ومع تصاعد الانفاق العسكري بستة اضعاف وصلت يوغندا الى حافة الافلاس الشامل. وبصفة خاصة صار الوضع العسكري للقوات اليوغندية في الحرب الاقليمية الدائرة على الاراضي الكونغولية حرجا للغاية مؤخرا بحيث انها لو واصلت القتال فانها سوف تواجه هزيمة حاسمة. اما اذا انسحبت فان المتوقع ان تلاحقها القوات الكونغولية عبر الحدود لتلتحم مع قوات حركات التمرد الداخلي الثلاث بهدف اسقاط نظام موسيفيني بالقوة المسلحة. هذا هو اجمالي الصورة التي تراها واشنطن فيما يبدو وبحساب الاولويات لا شك ان الاستراتيجيين الامريكيين رأوا ان حرج الموقف والضرورة القصوى لانقاذ نظام الرئيس موسيفيني يتطلبان التفرغ للجبهة مع الكونغو, وهي الاشد خطرا على النظام, بوضع نهاية سلمية للجبهة الاخرى مع السودان. هذه الحسابات العسكرية تتطلب بالطبع تدابير سياسية ودبلوماسية لوضعها موضع التطبيق على الارض. من هنا كان فيما يبدو التفكير في عقد صفقة مع الحكومة السودانية على اساس مقايضة تصفية حركة قرنق التي تساندها حكومة موسيفيني بتصفية حركة (جيش الرب) التي تساندها حكومة السودان. اما زوال الحركتين فعلا من على وجه الوجود فانه يتطلب منا ان نتريث لنرى كيف تسير الامور على صعيد التطبيق العملي. ما هو المتاح لحركة قرنق لتفادي التصفية على ايدي القوات اليوغندية اذا افترضنا ان الحكومتين اليوغندية والسودانية جادتان في تطبيق الاتفاق الامني؟ بالاضافة الى يوغندا هناك دولتان اخريان متاخمتان جغرافيا للسودان: كينيا والكونغو. كينيا ظلت تقليديا تتحاشى اي تورط عسكري في مسألة جنوب السودان. اما الكونغو فسوف تظل بالطبع عدوا لحركة قرنق طالما بقي نظام الرئيس لوران كابيلا المعادي للولايات المتحدة. في كل الاحوال من الافضل ان نتريث لنرى مآل الحال على الصعيد التطبيقي.