في رمضان تشتغل الحواس الخمس اكثر مما تشتغل في الشهور العادية, واخص منها اليوم حاستي السمع والبصر, وبالتأكيد فإن حاستين كالشم والتذوق تكونان في افضل حالاتهما نهاراً, فيمكن عبرهما شم رائحة سمبوسة على بعد عدة اميال وتذوق صحن هريسة حارة ولو كان في الخيال . غير اني أبقى مع السمع والبصر, فهما اكثر ما تلتقط الاذن وتقع عليه العين في رمضان فيما يتعلق بالمأكولات والمشروبات, فلا تكاد تسمع حديثاً عن طبق او ترى قائمة طعام معلقة في مطعم او في اعلان حتى تنتصب الاذنان وتجحظ العينان, كأن الاولى رادارات لالتقاط الصواريخ والثانية كاميرات مراقبة كالتي تراقب العراق هذه الايام, حتى وتعاليم ديننا الحنيف تدعونا الى غض النظر وكف السمع واراحة بقية الحواس في رمضان, فمن اجل هذا فرض الصوم, كما لغيره من أسباب. طبعاً غض البصر وكف السمع مطلوبان عما يخدش صيام الصائم من منظر مخالف للآداب الى كلام لا يليق, وهما لا ينطبقان على الطعام والشراب مما ينبغي علينا في شهر الصيام الاستزادة علماً بهما, فنأخذ من الشهر الفضيل من قوائم الطعام وانواعه ما يفيدنا بقية الشهر, وهو ما يمكن ان نجده بالطبع في قوائم طعام الخيام الرمضانية والمطاعم والفنادق والكافتيريات المنتشرة كالفطر في البلد, ولكل منها قائمته الخاصة وألوان طعامه وشرابه, مما يمكن ان يدخل في براءات الاختراع فيشمله قانون حماية الملكية الفكرية والصناعية. وهكذا عثرت مثلاً مع اشتغال حاستي السمع والبصر, على مارادونا والعنود وعبود, وهي انواع لعصائر طازجة يبيعها كافتيريا محلي, فإذا عرفنا مثلاً من هو مارادونا لاعب الكرة الشهير, فإننا لا نعرف قطعاً ولم نتشرف بمعرفة العنود او عبود, وان كنت ارجح انهما اولاد صاحب الرخصة والكفيل المواطن, اطلق اسميهما حمزة جول صاحب الكافتيريا على نوعين من الشراب تيمناً بكفيله المواطن وشكراً له. لذلك ابقى مع ما نعرف من اسماء لعصائر ومشروبات وساندويتشات وأطباق, فهناك شيهة (أي شيحا) وعلي دائي وطلياني ورونالدو من لاعبي الكرة المشهورين, ثم هناك مريم وديانا وأحلام وعبادي, اضافة الى عصير كامننا وفكتري (أي الفيكتوري) وتايتانيك ومهرجان دبي, وغير ذلك من اسماء لمطربين ومطربات ولمشاهير ولأفلام ولأغنيات ولأحداث, صار كل منها بحكم الموضة والعولمة اسما لعصير او ساندويتش. طبعاً العولمة لها علاقة وصلة عضوية بما تستحدثه كافتيرياتنا الوطنية من أطباق ومشروبات, فتطلق عليها اسماء ساطعة, بدليل ان هناك عصير كمبيوتر وآخر تحياتي وثالث انترنت, غير ان الغريب ان صدام حسين هو الوحيد من بين الزعماء العرب والعالميين ممن اطلق اسمه على نوع من العصير, هو عصير صدام, واضح ان المترددين على الكافتيريات من شبابنا خاصة, لا يتناولونه الا مع ساندويتش اسمه (جمبو طوارئ) فنعرف انه كلما تواجد صدام حتى ولو في كافتيريا تكون هناك حالة طوارئ. وهكذا فهناك عشرات من الأسماء المعاصرة لأطباق الألفية الثالثة التي تدشنها كافتيرياتنا المحترمة, مثل الذي يقع قرد سفا بارك (أي قرب حديقة الصفا) وآخر بشارع جافليا صطوا (اي شارع الجافلية ـ السطوة) ما يمكن ان يدخل في اختصاص جمعية حماية اللغة, لا البلديات وحدها, الا انني اختم بشاتو بريان, فالفرنسيون أطلقوا هذا الاسم على نوع من أطباق الستيك, كنت كلما سمعت به الى وقت قريب اعتقد انه شاعر فرنسي او فيلسوف ألماني, لا مجرد قطعة لحم, نعمل فيها السكاكين والشوك.