من محاسن الصدف, ان الالفية الثالثة, سوف تبدأ في العشر الاواخر من شهر رمضان, التي يعتكف فيها العرب والمسلمون للعبادة, مما يعطيهم عذرا شرعيا يبررون به هروبهم من مواجهة انفسهم, بما ارتكبوه من ذنوب في حق انفسهم, خلال القرن الذي يوشك على الرحيل, وبما يتوجب عليهم القيام به لازالة آثار هذه الذنوب في القرن الذي يوشك فجره على البزوغ وبذلك ينتهي القرن بما بدأ به وتعود العربية سكنية الى عادتها القديمة, ويصبح من حقنا نحن العرب, ان ندخل مدونة الارقام القياسية للقرن, باعتبارنا اصحاب الرقم القياسي الذي لم يسبقنا احد, في محاسن الصدف والاعذار الشرعية. من هذه الصدف المحاسن, ان القرن بدأ ونحن امة ترزح تحت الاحتلال الاجنبي, سواء كان عثمانيا او بريطانيا او فرنسيا, او طليانيا, وهو ما اعطانا عذرا شرعيا لكي نتعايش مع مانحن فيه من تخلف وجهل وفقر ومرض, فليس على الاعمى ولا على الابرص ولا على الخاضع للاحتلال حرج, وذنب المكره يقع على عاتق من اكرهه. وكانت صدفة الاحتلال الاجنبي السعيدة هي التي اعطت ـ كذلك ـ بعض حكامنا عذرا شرعيا يبرر لهم ممالأة هذا الاحتلال لان الامة اضعف من ان تقاومه, ولان الله لايكلف نفسا الا وسعها, ولانه ـ عز وجل ـ يأمرنا بالا نلقي بانفسنا الى التهلكة خاصة بعد ان اصبحت هذه (التهلكة) عضوا بالامم المتحدة, واتخذت لنفسها علما تتوسطه نجمة داود, وهو نبي, ومحمد نبي وعيسى نبي وموسى نبي وداود نبي وكل من له نبي يصلي عليه. كما اعطت بعضهم الآخر ـ وخاصة في النصف الثاني من القرن ـ عذرا شرعيا يبرر لهم الاستبداد بنا واخراسنا وقطع الستنا حتى لانتكلم فنشوش عليهم, بينما هم مشغولون بالتخطيط الاستراتيجي والتكتكة استعدادا للموقعة الحاسمة مع هذه التهلكة, ومع التهلكة الاخرى التي تساندها وتدعمها وتزودها لكل شيء, من الابرة للصاروخ, ومن الباتريوت الى الفيتو. وحين جاء اوان هذه المواجهة الحاسمة, القوا بنا نحن الى هذه التهلكة واعتذروا عن المشاركة في المواجهة, بانهم مشغولون بالتكتكة, وكرروا تحذيرهم لنا من التشويش على مفاوضاتهم مع التهلكة, والا اوردونا موارد التهلكة, وعذرهم الشرعي واضح, فالضرورات تبيح المحظورات والتكتيكات تبرر فتح السجون والمعتقلات, وحرية الاوطان مقدمة على حقوق الانسان . وقد يبدو لافتا للنظر, وداعيا ـ كذلك ـ للاسى, اننا نخرج من القرن العشرين, كما دخلناه, يامولاي كما خلقتني .. وكأن الفلك قد تسمر, والزمن قد توقف. في الظاهر نبدو وكأننا نختلف تماما عما كنا عليه عام 1900م بل ونبدو وكأننا لانختلف في شيء عن دول التهلكة, فلدينا ـ والحمد لله ـ كل ماعندهم: دساتير ومطارات وقوانين وفضائيات, وصحف وكوافيرات ومحاكم ومحاميات ومجالس شعب وسيارات ومجالس شورى وانتخابات, بل اننا نتميز عنهم بان لدينا اخلاقا وليس لديهم لا اخلاق ولا حياء, حتى اصبح الفساق منا يشدون اليهم الرحال, لعدم تواجد صنف الفسق في اسواقنا الشريفة العفيفة. في بداية القرن, كنا نسعي للتحرر من الاستعمار, وكان المندوبون الساميون للدول الاستعمارية في بلاد العرب, يمنون على الشعوب العربية بان الاحتلال الاجنبي هو الذي حررهم من السخرة ومن الضرب بالكرابيج ومن القتل بلا محاكمة ومن الضرائب التي بلا قانون, في ظل الاستبداد الوطني السابق على الاحتلال السعيد. وكان اجدادنا من قادة الحركة الوطنية في بداية القرن, يربطون بين الاحتلال والاستبداد, وبين الاستقلال والديمقراطية, وبين الوطنية والحرية , ويقولون ببساطة, ان الاستقلال ليس معنى مجردا فقط ولكنه ـ كذلك واساسا ـ معنى حسي ومادي, وان الشعوب التي تتحرر من الاحتلال الاجنبي, لاتسترد فحسب كرامتها او ثروتها الوطنية, بل تحصل كذلك على حقها في ان تحكم نفسها بنفسها ومن دون ذلك لايكون للاستقلال معنى. ولم يكن مايقولونه, بعيدا عن معنى الوطن, كما فهمه, وبشر به الاستاذ الامام (محمد عبده) في نهاية القرن الماضي, الذي عرف الوطن بانه المكان الذي تنسب اليه, ويحفظ حقك فيه, ويعلم حقه عليك, وتأمن فيه على نفسك ومالك .. فيه من موجبات الحب والحرص ثلاث تشبه ان تكون حدودا .. الاول: انه السكن الذي فيه الغذاء والوقاء والاهل والولد .. والثاني: انه مكان الحقوق والواجبات, وهما حسيان ظاهران, والثالث: انه موضع النسبة التي يعلو بها الانسان .. ويعز ويسفل. لكن الاستقلال ما كاد يتحقق, حتى تحول الوطن من معنى حسي ومادي الى معنى رمزي ومعنوي, واصبح ـ في ظل الحكم الوطني الذي اعقب الحقبة الاستعمارية ـ مجرد موضع للنسبة, بصرف النظر عما اذا كان في حالة تدعو للفخر بما هو فيه, او تجلب الخجل مما آلت اليه, ولم يعد احد من الحكام الوطنيين حريصا على ان يجعل منه المكان الذي يصون لكل مواطن حقه لان اداء الواجبات يكفي ... معنى الوطن, لدى الدولة المستقلة حديثا, اصبح يختلف عن معناه لدى كل شعوب العالم. في النصف الثاني من السبعينيات, كان الرئيس الراحل انور السادات, يكثر من ترديد فكرة تقول, ان المواطن الصالح, هو الذي يؤدي واجباته لا الذي يطالب بحقوقه, وان الوطنيين حقاهم الذين يعطون الوطن, لا الذين يأخذون منه .. وظل يكررها في كل خطبه, في مواجهة حركة نشطة لفئات اجتماعية عديدة, كانت تطالب آنذاك بحقوقها الاقتصادية او السياسية او الاثنين معا. وكما هي العادة, فقد أسرع كاتب أغاني يحتل مكانة مرموقة, في رابطة صناع الطغاة, ينظر الفكرة في أغنية ركيكة عنوانها (يا حبايب مصر) يقول مطلعها (ما تقولش ايه ادتنا مصر.. قول ح ندي ايه لمصر.. يا حبايب مصر) , وفي خلال ايام كانت الاغنية قد لحنت لتغنيها مطربة كانت لامعة آنذاك, هي (عليا التونسية) لتتلقفها كل محطات الاذاعة المصرية, وكل قنوات التلفزيون, فتتكرر اذاعتها في الحاح سمج يدعو للاستفزاز.. كانت الفكرة, سواء بصوت السادات, او بصوت (عليا التونسية) تصدر للناس وطنا مجردا ورمزيا تطلب اليهم ان يحبوه, وان يدفعوا له الضرائب ويستشهدوا في سبيله, ليكون الوطن المادي والحسي, الذي هو الطعام الدسم, والشراب اللذيذ, والمساكن الفاخرة, واللهو الخفي, من حق الذين يقولون, ويلحنون ويذيعون هذا الكلام الخادع.. والفارغ. ولم يعدم هذا التلاعب المقصود بمعنى الوطنية انصارا يروجون له ويدافعون عنه, بل ويسحبونه كذلك على معنى القومية العربية التي كانت في بداية القرن, دعوة لاستقلال الشعوب العربية, عن الامبراطورية العثمانية بسبب ما تمارسه من تمييز عرقي ضد العرب, متسترة بالجامعة الدينية, وما تمارسه ضدهم من استبداد, متذرعة بمقاومة الشعوبيين واعداء الملة الذين يسعون لتفكيك دولة الخلافة الاسلامية.. وبهذا المعنى, كانت القومية العربية, دعوة تحررية تستهدف استقلال العرب بشئونهم, حتى يستطيعوا ان يحكموا انفسهم بأنفسهم.. ويدافعوا عن مصالحهم.. ويحققوا الحرية والعدل لكل مواطن عربي. لكن النظم الوطنية التي ورثت الحكم عن الامبراطورية العثمانية, او عن الاستعمار الاوروبي, او عن كليهما, سرعان ما حولت الوحدة العربية, كما حولت الوطنية الى معنى رمزي مجرد, لا اثر فيه لكل ما هو حسي او ما هو مادي, لاننا ـ بالطبع ـ امة روحية, تنكر وجود المادة من الاصل.. فتعددت مشروعات الوحدة التي تتجاهل اثار التجزئة الطويلة, مع انها واقع مادي, كان ينبغي الاعتراف به, والتعامل معه اذا اردنا ـ بالفعل ـ ازالته.. وبدا القول بأن الوحدة العربية, تحقق للشعوب العربية مصالحها, وتضمن لها حقها في ان تحكم نفسها بنفسها, وتتيح لها تجميع ما تملكه من ثروات طبيعية وموارد بشرية, واستثمارها بشكل افضل, يكفل لكل منها مستوى من المعيشة افضل مما تعيشه بالفعل, ابتذالا لا يليق بفكرة سامية, لأن الوحدوي الاصيل هو الذي يغني مع عليا التونسية: ما توقلش ايه ادتنا الوحدة.. قول ح ندي ايه للوحدة! وقد يبدو غريبا ان مشاعرنا الوطنية والقومية في بداية القرن, كانت أوفر مما اصبحت عليه في نهاية القرن, وان شكوانا اليوم من شيوع ظاهرة عدم الانتماء بين الجيل الجديد من شباب العرب, اقل من شكوى اجدادنا من عدم انتماء آبائنا. وقد يبدو غريبا كذلك ان مشروعنا للنهضة في بداية القرن, كان اكثر وضوحا وتحديدا مما اصبح عليه اليوم, وقد يكون من بين اسباب ذلك, ان الاجيال التالية, اجهضت احلام اوائل القرن, ولاتزال تعيش صدمة هذا الاجهاض, مما حال بينها وبين صياغة مشروع جديد, يتواءم مع الألفية الثالثة, ويضمن لنا أن نظل على خريطة الدنيا خلالها. اما وذلك يتطلب ان نقوم أولا بأقسى عملية نقد ذاتي لما فعلناه بأنفسنا خلال القرن الذي يوشك على الرحيل, فمن محاسن الصدف, انه سيرحل أثناء الايام العشر الاواخر من رمضان, التي نعتكف خلالها للعبادة, وهو عذر شرعي مقبول, لعدم القيام بشيء من ذلك! ويا أمة ضحكت من أعذارها الأمم!