اما الوسائل السلبية لحرب المعلومات, فتضم نظم (الباب الموارب) في التشفير (Trap - door). وهذه عبارة عن برامج للحاسبات يقع على عاتقها تشفير المعلومات من ناحية, بمعنى انها تحمل المعلومات الحقيقية بالاضافة الى كود الشفرة للرسالة المشفرة. ولذا يمكن حل الرسائل او تعديلها, او بث معلومات جديدة لها , او على الاقل مواجهتها. ومن الوسائل السلبية ايضا استخدام المستشعرات المحمولة جوا التي تستطيع انشاء شاشات جو ـ فضائية خداعية تحمل الافا من الاهداف غير الحقيقية, والتي تجذب نيران الخصم في اتجاهها, حيث تقوم بارسال معلومات دقيقة الى انظمة معلومات ومخابرات الخصم عن هذه الاهداف الوهمية, وبما يستنزف قدراته ونيرانه في اتجاهات ثانوية, وربما تحمل هذه المستشعرات ايضا بيانات عن اهداف القيمة المضادة (المدنية) والقوة المضادة (العسكرية) للخصم نفسه, فيوجه نيرانه ضد اهدافه. ويمكن استخدام هذه المستشعرات ايضا على الارض وفي البحر, بحيث تؤدي نفس العمل ضد الاهداف البرية والبحرية للخصم. وحتى ندرك مدى فعالية اسلحة حرب المعلومات, علينا ان نتصور البيئة الالكترونية والمعلوماتية المزدحمة للخصم.. والتي تشمل في المجال الدفاعي انظمة المعلومات والانذار والاستطلاع والمخابرات والاتصالات والقيادة والسيطرة, بجانب انظمة ادارة النيران الآلية ـ لاسيما الدفاع الجوي والقوات الجوية ـ ذلك ان معظم انظمة التسليح والمعدات الفردية اصبحت تعتمد على الحواسب الالكترونية.. مثل المقاتلات وسفن السطح والغواصات والدبابات والرادارات والمدفعية واجهزة الملاحة ووسائل الحرب الالكترونية. اما في المجال المدني, فقد تزايد الاعتماد على الحواسب الالكترونية في معظم مكونات البنية الاساسية للخصم, والتي تشمل محطات الطاقة الكهربائية, وانظمة تسيير القطارات, ونظم المرور الجوي, وشبكات الاتصالات المدنية, والعمليات المالية والتجارية في البنوك وغيرها, والصحافة والبث التلفزيوني الرقمي سواء الارضي او الفضائي. نخلص من ذلك ان البيئة الالكترونية المعلوماتية للخصم اصبحت معرضة لتأثير الصدمة الاستراتيجية الفعالة لوسائل وآليات حرب المعلومات. ومن هنا سنجد ان شكل الحرب القادمة سيكون مختلفا شرط امتلاك الخصم منظومات متكاملة من الحواسب الالية ونظم الاتصالات. لذلك سنجد ان اسلحة حرب المعلومات اما ان تكون مزروعة منذ فترة طويلة داخل انظمة الخصم الالكترونية, او تمت زراعتها في وقت ما بواسطة برامج كبيرة من التطبيقات والبرامج الجاهزة, او من خلال مستشعرات تمت زراعتها من قبل او يتم ارسالها في حينه. ومن هنا نجد ان السيادة المعلوماتية ستصبح بديلا او مكملا للسيادة الجوية والصاروخية في ميدان القتال المستقبلي, كما سيصعب اكتشاف الضرر الا بعد وقوعه فعلا. لكن ذلك لن يتحقق الا بمعرفة مكونات بنية منظومات المعلومات والاتصالات والقيادة والسيطرة للخصم, ونوعية الحواسب المستخدمة في منظومات اسلحته, وهو امر متاح بقدر كاف لاسرائيل. وفي اطار سعى الدول لامتلاك ما يطلق عليه (منظومة النظم), والتي تقوم بتحقيق تكامل بين اربعة نظم رئيسية: نظام الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة والملاحة, ونظام القيادة والسيطرة والاتصالات, ونظام حواسب صنع القرارات, ونظام ادارة المعركة والنيران عن بعد, وهو ما يعرف بـ C4I/BM وهي عبارة عن عدة نظم مدمجة تمكن القادة على جميع المستويات من الاطلاع على الموقف بالصورة والمعلومات في زمن ضئيل. ومما لا شك فيه ان كل ذلك يتطلب توفير اقصى قدر من الحماية والوقاية والامن للحواسب الالكترونية وانظمة الاتصالات المستخدمة لمواجهة حرب المعلومات من قبل الخصم/ الخصوم. وكوسيلة لاختبار قوة المقاومة ضد هجوم الكتروني معاد, قامت وكالة الدفاع عن نظم المعلومات في الولايات المتحدة والمعروفة بـ DISA ومقرها (آرلنجتون) بولاية فرجينيا بتمثيل عملية هجوم الكتروني ضد نظم المعلومات الامريكية, فكانت النتيجة ان تمكن الفريق القائم بالتجربة من وضع ايديه على 88% من مجمل 8900 جهاز كمبيوتر تعمل في البنتاجون (وزارة الدفاع الامريكية), ودون ان يلاحظهم العاملون على هذه الاجهزة او يحددوا مواقعهم, وان كانوا بالملاحظة تتبعوا فقط 4%. وفي عام 1994 تم رصد 350 حالة اختراق لاجهزة الكمبيوتر في البنتاجون, وهو الامر الذي اصبح يشكل كابوسا لرجال الامن القومي الامريكي بالنظر لاعتماد جميع المؤسسات الدفاعية والمخابراتية هناك بشكل كلي على الحواسب الالكترونية, كذلك في تصميم الاسلحة والمعدات الحربية, وتوجيه الصواريخ, وتعبئة الاحتياط, وانتشار الجيوش والاساطيل الجوية والبحرية في انحاء العالم, ووضع خطط العمليات والتدريب, كذلك الامداد اللوجيستي بكافة انواعه.. خاصة في مجال القوة البشرية, وحتى مرتبات الافراد. حيث يوجد اكثر من 150 الف كمبيوتر في الجيش الامريكي مربوطة بشبكة انترنت. ولا يقتصر الامر فقط على النواحي العسكرية, بل يشمل ايضا مجال الطاقة التي تغذي القواعد العسكرية ضمن الشبكة الكهربائية الرئيسية للبلاد. ومن ثم فان اي توقف او تداخل على هذه الاجهزة سيؤدي الى اصابة الالة العسكرية الامريكية كلها بالشلل. ويعترف العسكريون الامريكيون انهم رغم كونهم الاكثر اعتمادا في العالم على الكمبيوتر في مجال المعلومات, الا انهم وجدوا انفسهم منغمسين بعمق اكبر في ضرورة وضع استراتيجية حرب الكترونيات فضائية تسمى (سايبر سبيس) ذات هدفين: احدهما هجومي ضد شبكات معلومات العدائيات المفترضة والتي تضم بجانب روسيا, الصين, وكوبا, وايران, وكذلك دول اخرى صديقة مثل فرنسا تدخل في ميادين تنافس مع الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم على الاصعدة السياسية والتجارية والتكنولوجية. اما الهدف الثاني فهو دفاعي يستهدف وقاية انظمة المعلومات الامريكية من الهجمات الالكترونية المعادية, والتي ليست بالضرورة تأتي من قبل دول معادية, ولكن قد تأتي ايضا من قبل منظمات ارهابية. وقد ذكر الادميرال (ويليام ستود مان) ان حرب نظم المعلومات لن تكون في الحرب القادمة قاصرة على المعلومات العسكرية, ولكن ايضا نظم المعلومات المدنية المختصة بالاحوال المالية مثل البورصة وسوق الاوراق المالية والضرائب, وحسابات البنوك الكبرى والشركات, ومراكز بحوث التكنولوجيا الحيوية والميكروالكترونيك, وهو ما يمكن ان يعرض امريكا للخراب من غير شن حرب عسكرية ضدها. وبالقطع ليست اسرائيل بعيدة عن مجالات البحث والتطوير التي تجريها المؤسسات الامريكية المعنية بحرب المعلومات بشقيها الهجومي والدفاعي. * خبير استراتيجي مصري