هل يؤدي الاتفاق الامني المبرم في الاسبوع المنصرم بين الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس اليوغندي يوري موسيفين الى تصفية حركة قرنق نهائياً؟ربما يكون من المبكر استخدام عبارة (تصفية) قبل ان نرى كيف تتفاعل بنود الاتفاق على ارض الواقع خلال الاسابيع المقبلة. ما يمكن قوله الآن في ضوء قراءة البنود الخطيرة التي تتضمنها وثيقة الاتفاق ان العد التنازلي لقصم ظهر حركة قرنق كقوة مقاتلة ربما يكون قد بدأ. الامر برمته بدا فجائيا لغالبية السودانيين, يستوي في ذلك مؤيدو النظام الحاكم مع معارضيه. وحتى مجرد التقاء العدوين اللدودين, الرئيس السوداني والرئيس اليوغندي بوساطة من الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر كان في حد ذاته مفاجأة للسودانيين. الى هذا الحد يغفل المتحمسون للنظام مع خصومه عن ان من المستحيل متابعة تطورات قضية جنوب السودان دون استيعاب متابعة ما يرتبط بها من تطورات اقليمية في منطقة القرن الافريقي شرقاً ومنطقة البحيرات العظمى جنوبا. فالتقارب اليوغندي السوداني الذي يعكسه اتفاق الاسبوع الماضي في نيروبي هو في الحقيقة رجع صدى لتطورات الحرب الدائرة في منطقة البحيرات في وسط افريقيا التي تتورط فيها ست دول افريقية متجاورة بينها يوغندا. وبنفس القدر فان الاتفاق السوداني الاثيوبي المبرم في الشهر الماضي والاتفاق السوداني الارتيري السابق عليه... كليهما رجع صدى لتطورات وتفاعلات الحرب الاثيوبية الارتيرية. ان جوهر الاتفاق الامني بين السودان ويوغندا هو في الحقيقة (تواطؤ) بين الحكومتين لتصفية حركتي تمرد في البلدين: حركة (جيش الرب) في الشمال اليوغندي وحركة قرنق في الجنوب السوداني المتاخم جغرافيا. واذا لم ترق لك عبارة (تواطؤ) فلنقل انها صفقة... وهي صفقة متكافئة. ينص البند الاساسي في وثيقة الاتفاق على ان تتعهد الحكومتان (بالتوقف عن دعم حركات التمرد في كلا البلدين) وان تتخلى الحكومتان (عن استخدام القوة لحل خلافاتهما) كما تعهدتا (بنزع سلاح الجماعات الارهابية واحترام كل دولة لسيادة الدولة الاخرى ووحدة اراضيها) . واذا تجاوزت التأنق اللفظي الدبلوماسي فإن هذه النصوص تعني الآتي باللغة العادية البسيطة: ان تعتمد قوات الحكومة السودانية الى تصفية القواعد القائمة في الاراضي السودانية على الحدود مع يوغندا التي تنطلق منها قوات (جيش الرب) لضرب اهداف في الداخل اليوغندي. وفي المقابل تقوم قوات الحكومة اليوغندية بتصفية قواعد ومعسكرات حركة قرنق القائمة داخل الاراضي اليوغندية. هذه الخطوة المزدوجة تكون الخطوة الاولى للقضاء على الحركتين نهائيا وفقا لنص الاتفاق. على هذا النحو وبمطالعة البنود التفصيلية يبدو الاتفاق وكأنه حلف امني استراتيجي. فهو ينص على تشكيل لجنة وزارية ولجان فنية مشتركة مهمتها (وضع برنامج زمني للاجراءات التي يجب ان تتخذ من اجل تطبيق الاتفاق) وبتسمية موعد نهائي يتم بحلوله استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى سفير, وهو (قبل نهاية فبراير) يوحي هذا التحديد بأن تستكمل العملية المشتركة للقضاء نهائيا على حركتي التمرد قبل حلول ذلك التاريخ, اي في غضون شهرين ونصف الشهر. هذا هو ملخص الصفقة كما تبدو على الورق. فهل يجري التنفيذ بسلاسة على صعيد التطبيق؟ بالطبع يجب ان نأخذ في الاعتبار ان ابرام الاتفاق يأتي بعد تراكمات السنين من العداء الساخن المتبادل بين الدولتين بسبب استضافة يوغندا لمعسكرات قوات قرنق والتحالف النشط مع الحركة في عملياتها الهجومية ضد قوات الحكومة السودانية في جنوب السودان... مما دفع بالتالي الحكومة السودانية الى تحالف مماثل مع حركة التمرد اليوغندية (جيش الرب) وبالنظر الى الشكوك المتبادلة التي يفرزها العداء الطويل فان تطبيق الاتفاق قد يصاحبه تعثر في المرحلة الاولى على اساس ان كلا من الطرفين سوف يتريث للتأكد من ان الطرف الآخر جاد. ولكن بمرور الزمن قد يتيسر التغلب على هذه الشكوك. على ان سؤالا محوريا يبقى: ما هي خلفية الاتفاق؟ وما الذي دفع بالرئيس اليوغندي الى البحث عن صفقة مع الرئيس السوداني؟