كشأنه دائما, يأتي رمضان مباغتا وينتهي سريعا, تنطوي ايامه ولياليه, فاذا الناس تنتظر الغد اهو اول ايام العيد أم لا؟ ولا يفضح شهر أو يوم أو زمن احوال الناس كما يفضحها رمضان, وكما يجعلها تحت السمع والبصر وكأنها تحت المجهر وبين يدي الجراحين, هو هكذا رمضان دائما, برد اليقين, وفلق الصبح الذي يميز الخبيث من الطيب . ولا تتبدى غباءات البعض ممن يحملون شعارات الحق الذي لا حق فيه, محاولين اقناع الاخرين بهذا الباطل المتأرجح بين الكذب على الله والكذب على خلق الله, سوى في رمضان, ولا ندري كيف امكن لهم تحويل مسار الحق والعبادة المبرأة من الرياء إلى رياء بحت؟ ولاحظوا كيف تزدهر هذه المظاهر في رمضان تحديدا؟ وكأن هذا الشهر هو الافضل لترويج كل الخبائث والتفاهات! فمن لا يجيد رصف كلمتين حذو بعضهما يصير كاتبا على صفحات ملاحق رمضان, ومن لا يعرف من امر العبادة حرفا يعلن عن خيام رمضان لاحياء ليالي الشهر الفضيل! ومن قضت العمر في العبث والرقص تمد (موائد الرحمن) للفقراء والمساكين في بعض عواصم العالم العربي, ومن وضعت على رأسها حجابا وعرفت عاقبة غيها وسيرها في طريق الفن الماجن تصبح بقدرة قادر علما من اعلام الدين والتقى, تتحدث في فلسفة اليقين والسلوك إلى رب العالمين, وتتحول اخريات إلى كاتبات يفتتحن ملاحق رمضان الصحفية, وحتى (ميشوشو) يستعد لاحياء رمضان في فضائياتنا التي اصبحت ملجأ من لا عمل له, بعد ان اصبح رمضان مباحاً للثنائي داوود وانتصار ولكل السخافات التي شبعنا منها ولم يصل لهما خبر هذا التشبع على ما يبدو! مضى على رمضان ثلاثة ايام سمعت خلالها نفس الجملة مراراً, ومن اشخاص مختلفي الاعمار والتوجهات, (هل سيبقى رمضان عندنا الى الابد خياما رمضانية وفوازير ومسلسلات؟) ولا أود الدخول في جدل حول هذا التساؤل, ولكنني ببساطة اقول بأن الخيام موجودة في كل مكان والدخول فيها لقاء رسم او مبلغ معين ومن لا يريد دخولها فليس هناك قوة تجبره على المضي في طريقها, واما تلفزيوناتنا العربية جميعها فهي تسير على مبدأ توحيد العالم العربي بتوحيد ذائقته الفنية وتوحيد المعلومات التاريخية التي يتلقاها على ايدي اساتذة التمثيل والدراما في المسلسلات العربية, وليس للمحتج سوى ان يطفئ التلفاز ويريح نفسه تماماً كما قالت أم كلثوم في احدى أغانيها: لا بد للمكبوت من فيضان! حتى يأتي قرار رسمي باغلاق الخيام الرمضانية ومنع الحفلات الفنية كما حدث في الكويت. أما رمضان فأجمل من كل كلام قيل فيه, انه الشهر الذي يصبح للزمن فيه معنى آخر, ونسخ مختلف, انه الشهر الذي يختلف فيه ايقاع الحياة وايقاع الشعور, حتى ترى اولئك المرخص لهم بالفطر يفتعلون الصيام للشعور بنكهة رمضان الوجدانية, فرمضان لا يشعر به الا من صام يومه صيام جسد وروح, ومن قام لياليه قيام تبتل وقرب من الله.. بعيدا عن التظاهر والادعاء.. فالحق الذي يراد به باطل.. هو باطل محض يكشفه رمضان بمنتهى السهولة.